"مزامير"...  يؤسس لمشهد موسيقي فلسطيني عمل خالد جبران الجديد: فضاء من الأسئلة وصرخات ضد الألم

غسان حزين

واصل مركز موسيقى المشرق "الأُرْمَوي"، طرح سؤال التجديد، في الموسيقا العربية، من خلال عرضه، "ثنائي بزق"، يوم السبت: 29/1/2005، الذي قدمه، بالتعاون مع مؤسسة "عبد المحسن القطان"، في قاعة مدرسة الفريندز للبنات، والذي حدد فيه رؤيته الخاصة للتجديد، من خلال تقديم العرض: "نقدم في هذا العرض روايتنا الخاصة، لأغانٍ من التراث العربي سمعناها وحفظناها من جيل إلى جيل، تلك التي لحنها الرحابنة، محمد عثمان، وديع الصافي، أو التراثية الشامية والعراقية. لن نقدم تلك الأغاني بشكل مباشر وعادي، وإنما مقطوعات للآلة، مستوحاة من ذلك التراث بشكل أو بآخر. نستخدم في هذا العرض، آلة البزق، بشكل أساسي، وهي آلة صعبة التوظيف، خصوصاً كثنائي للبزق؛ لكنا وجدنا أن هذا الثنائي، يمدنا بطاقة صوتية من نوع ٍ خاص". فهل وفق العرض فيما وعد بتقديمه؟! وهل نجحت آلة البزق في التواصل معنا؟ وهل استطاع الشباب أن يضيف جديداً، إلى ما عرفناه، من أغنيات تراثية؟

ابتدأ العرض بتقديم قصير، من الفنان خالد جبران، مدير المعهد، الذي هيّأ الجمهور، لعرض غير اعتيادي. تحدث عن التراث العربي، وتأثيره على حياتنا، وتحدث عن تأثير الوضع السياسي على الإنسان، والذي يظهر عبر أشكال مختلفة؛ من بينها الموسيقا، مبيّناً أن الفن يعبّر عن حياة الفنان، في اللحظة التي يعيش فيها.

بدأ العرض باستهلال موسيقي فيروزي، قدمه الفنانان الشابان: تامر أبو غزالة، وربيع جبران: "يا مرسال المراسيل"، قدّما من خلاله منديلهما الموسيقي، إلى الجمهور الحبيب إلى قلبيهما. وبعد الاستهلال، قدّم تامر لكل قطعة موسيقية؛ ما وضع جمهور العرض، في صورة عمل الشابيْن، وأصدقائهما: هدى عصفور، ونديم خوري، ومجموعة من الشباب العرب، الذين التقوا في القاهرة، في ورشة عمل، نظمها مركز الأُرْمَوي، من خلال ملتقى الموسيقيين العرب، من المغرب حتى لبنان، مروراً بكافة أقطار الوطن العربي، وحاولوا أن يبدعوا، ويضعوا رؤاهم وتصوراتهم، النابعة من واقعهم في الموسيقا التي يعزفونها، بينما كانت هذه البداية، هي التي عمل الشابان على تطويرها بعد ذلك، لتقديمها إلى جمهور العرض. اعتمد أسلوب التطوير، تأدية الموسيقا، بصورة جديدة، تعتمد على إضافة شخصية العازفيْن، إلى اللحن الأصلي؛ ما أنتج توزيعات جديدة للحن الأصلي، تحاور الألحان المألوفة لأذن المستمع، فتستفزنا أحياناً أو تعجبنا، على حد تعبير خالد جبران. أشرك تامر الجمهور، من خلال طلبه، معرفة اسم الأغنية الأولى، بعد عزفها. أطل اللحن الأصلي، وعرف المستمعون أغنية وديع الصافي: "طلوا احبابنا طلوا... نسِّم يا هوى بلادي".

عزف الفنانان لحنيْن شعبيّيْن أليفيْن: "دقّي دقّي يا ربابة"، و"حوّل يا غنام". حاولت التركيز، بينما كانت الموسيقا تعزف، مستخدمة حواسي؛ فاستمعت إلى لحن جميل، يتقاطع مع اللحن الأصلي، ويحاوره ولا يلغيه. أحسست بحديث الموسيقا، عن الألم الذي يشتد ويشتد، ويتعاظم، حيث يزداد الوجع، ويدق في الرأس، يدق في العروق، ويصطدم بالجدار تلو الجدار، ورغم ذلك لا مكان ولا حيّز، لاجترار الحزن والدمع.

أما الأغنية الثانية؛ فقد عزفها البُزُقان بسرعة شديدة، أعقبها قطع، ثم سرعة أشد، أعقبها قطع آخر. وهل يظهر الحبيب؟ لا إجابة. هل يظهر الحبيب؟ لا إجابة مرة أخرى، ويعود اللحن ليهدأ؛ ليحدثنا: قل يا غنام، قل ولا تعذبني، ولا تطل في كلماتك، واجعل كلماتك قاطعة كالسيف. أين حبيبي؟ أين هو؟ لم نعد نحتمل إجابات المراوغة. أين الحبيب؟

وتأتي المقطوعة الموسيقية: "لا إنت حبيبي ولا ربينا سوا"، لتمزج الموسيقا الحنونة وتعجنها، مع حياة يومية قاسية، فما الذي يتبقى منها، من الأغنية الأصلية؟!

يجيب تامر: حاولنا أن نغني لفيروز، فاصطدمنا بواقع مرّ. ببساطة، وكي نصل إلى تدريبنا، علينا أن نقطع أكثر من حاجز. هذه الصعوبة التي نعيشها، وهذه القسوة غير الإنسانية، تجبرنا ألا نرى الأمور بالطريقة الناعمة الحنونة. اندمجت الأغنية الحنونة، في لحن ميتاليكا الحاد، فجاء دعم اللحنين، والأغنيتين؛ لينتجا واقعاً موسيقياً، يحافظ على اللحن الأساس؛ ولكنه يضيف إليه سطوة الواقع.

 وإذا كنا غنينا بالأمس "امبارح تلاقينا قعدنا ع حجر"، فهل هناك وقت الآن للجلوس على حجر، وتأمل الواقع، دون أن نشتعل غضباً؟! أي حجر وأية جلسة وأي واقع نعيش؟! هل هناك مجال للعتاب الحنون الهادئ بين المحبين؟ وهل هناك مجال في عالمنا الآن للوردة في كتاب، وللرسائل البريدية، التي يتسلمها المحب من ساعي بريد؟! ألم تستبدل بالرسائل عبر البريد الإليكتروني؟

ويشترك الجمهور في التعليق الدالّ:

- فيروز عم تقطع حاجز قلنديا!

- نستنى اغنيتين وبنشوف فيروز عم بتفجر حالها.

 

ويتبدى ثقل الواقع على نفس الشابيْن، اللذيْن يرفعان وتيرة السؤال، وما من مجيب؟ من خلال أغنية "ويْنُنْ؟!". ولم يكن للّحن إلا أن يكون شجياً، وبطيئاً، ومؤلماً. يعلو اللحن ليبكي الفقد، ويبكي شهداء الشعب، وسجناء الحرية. يبكي الذين كانوا يملأون الدنيا، ضجيجاً وصخباً وحياة. ارتفع صوت ربيع، عريضاً، وقوياً، ومليئاً بالشجن: عشاق الطرقات افترقوا. أكد من خلال صوته على عشاق، من خلال تكرارها، وعلى الطرقات. ولم يغنّ المغني سوى هذا المقطع، وكأنه يريد التأكيد على معناه؛ لتنطلق الموسيقا بعدها، وتحدث عن عشاق الوطن، وتناديهم: أين أنتم يا عشاق الوطن، نريدكم معنا. كان إحساس الانتماء لهذا الوطن، صاعقاً وعميقاً وبطيئاً في آن.

ويتبدى عذاب الشباب، من خلال أغنية مجنون ليلى "قيس بن الملوّح"، التي يغنيها ويلحنها: تامر أبو غزالة. يحدثنا تامر عنها، ويقول: وقعت الأغنية بين يديّ، أثناء الاجتياح؛ فلم تعد أغنية حب، بل قنابل:

يرتفع صوت تامر المخمليّ بالأغنية، التي يعزفها بعوده، وبأوتار قلبه، ويغني كلمات ابن الملوّح، ويعطيها من روحه، ونبضه، وإحساسه، كما يعطيها قسوة الواقع، فيسرع اللحن ويسرع، حاملاً وطأة الواقع الذي يلاحق عشاق الحياة، ويطاردهم، ويقتنصهم؛ فلا يزيدهم سوى حبٍّ للحياة، وقلبها النابض. ويرتفع صوت المغني:

 

ولي ألفُ وجهٍ قدْ عَرًفْتُ طَريقَهُ    ولكنْ بِلا قَلْبٍ إلى أَيْنَ أذْهَبُ

فَلوْ كانَ لي قَلْبان عِشْتُ بواحدٍ      وَأَفْرَدْتُ قَلْباً في هَواكِ يُعَذَّبُ

 

ويعود الفنانان ليقدما أغنية طرب وشجن، من ألحان محمد عثمان، دعاها الجمهور: هدنة سياسية:

كادني الهوى وصَبَحْتِ عليلْ. يرتفع الصوتان بحِرَفيّة عالية، يتداخلان ويتخارجان، ويمتزجان في صرخة واحدة:

قمر... قمر... حبي قمر. ويعلنان انحيازهما للحب والحسن والجمال، والعقل، ويتبادلان الغناء، كل بدوره، لتأكيد ذلك:

للحسن ده...للطبع أميل... ده شيء بالعقل... ده شيء بالعقل. ويطلقان صرخة الرفض، من الأعماق: آه...آه، لكل هذا القبح، الذي يعترض الجمال، ويشوهه، الصرخة الممتلئة بالشجن واللوعة: أيها العقل، كم تحتمل! وكيف تحتمل! كيف تحتمل كل هذا الحُسن والجمال في العالم، وكيف يمكن أن تحتمل كل هذا القتل والدمار والتشويه لجمال العالم؟!

وتأتي أغنية الختام: يا ماريا يا مسوْسحة القبطان والبحرية، يا مسوْسحة القبطان؛ ليضع الشابان فيها شخصيتيهما الحادتين والرقيقتين في الوقت ذاته. تبدأ الأغنية كما ألفناها، ثم لا تعود هي هي بعد ذلك. يطلقان صيْحة حين يُحَدِّثان، وكأنهما يريدان أن يبلغا العالم بأسره؛ ليس عبر الصوت واللحن الحنون؛ بل بصوت جهوري، وبلحن قوي يروي الحكاية، ليصل بسرعة الصاروخ إلى المستمعين، ثم يعود ليرِقّ بعد ذلك، ليحدّث عن الحب والصبيّة، ماريا. يعود البُزُقان ليلتحما، ويفجرا صوتهما الخاص المبدع.

 

*****

 

كان عبور فيروز حاجز قلنديا، مع بزق الشابين؛ عبوراً لأغنياتها، وألحان الرحابنة، ومحمد عثمان، ووديع الصافي، والأغنية التراثية بشكل عام، إلى منطقة خاصة، على يدي الشابين. حاول الفنانان، أن يجدا موطئ قدم خاصا، من خلال الموسيقا العربية، دون أن يتخليا عن تراث الأجداد، ودون أن تفقد الأغنيات والموسيقا الأصلية، جمالها ورونقها. لقد أضفى الفنانان صرخة قلبيهما، ودقاتهما، ونبضات روحيهما، وأعملا عقليهما، فيما سمعا وتمثلا؛ ما جعلهما يساهمان في الإجابة على سؤال التجديد في الموسيقا العربية.