|
"مزامير"... يؤسس لمشهد موسيقي فلسطيني عمل خالد جبران الجديد: فضاء من الأسئلة وصرخات ضد الألم |
|
غسان حزين |
|
يبدو العمل الجديد الذي يقدمه الموسيقي الفلسطيني خالد جبران ويحمل عنوان «مزامير»، خطاً جديداً في مجمل العمل الفني الفلسطيني الذي ظل لسنوات أسيراً للكلمة المغناة الحاملة قضية الشعب الفلسطيني والمعبرة عن همومه ومجمل حياته الصعبة. لكن هذا المشهد الموسيقي الفلسطيني الذي يقدمه جبران، نابع من أساس تجربة واقعية مريرة، يبدو التعبير عنها بالموسيقى الصرفة أمراً غريباً وغير مألوف، لا بل مستنكراً حتى. «مزامير» خالد جبران، عمل موسيقي متميز كتب خصيصاً لآلتي العود والبزق، تشكلت أولى خيوطه أيام مجزرة جنين وحصارها الذي دام نحو شهرين. الآن تأتي الموسيقى لتقول كلامها هي، ليس الجزء التطريبي أو الراقص الذي علق بالتراث الموسيقي العربي، وإنما بصيغة أخرى تعبر عن ألم وشعور بالخسارة المرة التي تظل تتكرر في حياة الفلسطينيين. لكن لو لم يقل جبران ما كان يريده هو من موسيقاه، هل كان سيعرف أحد أن الضربات على الأوتار (عزف خالد جبران وتلميذه تامر أبو غزالة) صرخات ضد الظلم؟ هل كانت ستبدو مقطوعات الألبوم الست لابسة ثوبها المفروض لها؟ طبعاً لا، إذ هنا تكون الموسيقى، ومن هنا تولد أصلاً، من رحم هذا التخيل الذي تصنعه لسامعها، بعيداً من تدخل لغوي يرسخ دلالات معينة، كما في الأغنية. في هذا «الفراغ» تولد مقطوعات «أصفهان»، «سفر»، «بلو دايف»، «إيراني»، «أندرغراوند» و «الصَلب». وفي هذه المساحة، تولد الصيغة التي يلعب فيها الأستاذ وتلميذه على العود والبزق، لتشكيل لوحة صوتية قادرة على حالة جديدة، ليس في المشهد الموسيقي الفلسطيني وحسب، وإنما في مشهده العام الذي بدأ يضيق... ويختنق. في الكتيب المرفق مع الألبوم الذي صدر عن مركز موسيقى الشرق (الأرموي) في فلسطين أخيراً، يطرح جبران تساؤلاً من طينة الأسئلة التي تكتفي بذاتها ولا تنتظر جواباً. يقول: «هل موسيقانا الشرقية تطريبية بحكم تعريفها؟ هل قدرها محتوم فعلاً بالتعبير عن «منتهى الفرح» أو «غاية الحزن» فقط؟ وما هما سوى: «طرفين نقيضين من الوجدان يتحدان فتغدو الحالة طرباً»! ماذا عن بقية الحالات النفسية والشعورية التي تُشكل جل كيانك النفسي اليومي وهي خارج خانة التطريب أو الوله والبكاء؟ ماذا عن الخوف؟ الحسد؟ ماذا عن الأمل، القلق، الملل، الجشع، الإحباط والشجن؟ وماذا عن نشوة الانتصار المؤقت عند اجتيازك الحاجز العسكري المجاور بسلام؟ تساؤلات بقدر واقعيتها وفجاجتها السياسية إنما تلقى ضوءاً على المشهد الموسيقي الشرقي الجامد الذي يعاني تصلباً في المشاعر. مشهد موسيقي يقترب من الاختفاء لأنه ما عاد مناسباً وعصرياً. ببساطة لأنه ليس مباشراً وتوجيهياً، وليس ذائقة عامة، وإنما فراغ، وتأمل خاضع للتأويل. والكلام في جو العمل العام يجب ألاّ يغفل تقنياته الرفيعة المستوى. فالمقطوعات تبرز تقنيات عزف متفردة يقدمها جبران وأبو غزالة، في حواريات أليفة بين الأستاذ وتلميذه. تآلف يصل حد التناسخ، ليس في طريقة العزف وإنما في روح الضرب على الوتر (أليس هذا النقيض تماماً لضرب الصواريخ على البيوت المتهالكة أصلاً؟). إنها المعاناة ذاتها – معاناة الفلسطيني أمام الحاجز الإسرائيلي مثلاً – والبحث عن الفضاء الرحب نفسه الذي يتسع للأحلام (والفضاء موسيقي هنا، حلم أيضاً)، والأرض التي لا استعباد فيها: لا يستعبد الإنسان إنساناً ولا تستعبد الكلمات موسيقى (كما تقول مقطوعة «بلو دايف» التي يغدو الكلام فيها صوتاً يقترب ليكون آلة موسيقية، لا حاكماً على الموسيقى يستعبدها ويوجهها كيفما يريد). «مزامير» خالد جيران عمل موسيقي راق، يبني فضاء رحباً من الموسيقى (التي لا تنتمي إلى فلسطين فقط. فالمبني هنا فضاء لا يعترف بضيق الجغرافيا) ويبقى مفتوحاً على تساؤلات لا حصر لها، ولا إجابات. أسئلة كثيرة يطرحها جبران على نفسه وعلى مستمعه، لا تنتظر جواباً، ولا تنتظر تفسيراً وشرحاً... يغرقها في فخ الكلام. فالمقطوعات - كما يقول عنها جبران - ألفت "كمنفذ وحيد من العبثية التي تهدد كيانك، وكرد وحيد أتقنه مجيباً عن سؤال يومي يُطرح على كل عربي وشرقي: من أنت؟" |