دفاتر الأيام*


"ما يدخل القلب" وليد أبو بكر

 ما يقدمه تامر أبو غزالة يدخل القلب فورا. ليس المقصود هنا هذا الشاب الذي تفيض روحه موسيقى وحسب، ولكن كل من يتصل به، ومن يقف إلى جانبه، ومن يساعده على أن يوصل نبض القلب إلى الناس، عن طريق الأوتار التي يتقن التعامل معها، منذ كان طفلا صغيرا.

منذ تعرفت على موسيقى هذا الشاب، وغنائه، اللذين طرحهما في شريطه الوحيد، الذي يضم عصارة جهد بدأ من الطفولة، واستمر حتى الخامسة عشرة، أحسست بأن هناك ما يربط المشاعر به، وبقيت حريصا على أن يظل شريطه في متناول سمعي، يؤكد لي أن خطأ في التقدير لم يحدث، وأن ما يتصل بهذا الشاب يستحق أن تكون معه صلة ما، تقرب الموسيقى من الأحاسيس، وتجعلها مثل الحب، زادا لا يستطيع القلب أن يفارقه.

كان ذلك قبل أن أسمع موسيقى الشاب الذي وصل سن النضج، أو بات يدق أبوابه، وأن أرى حضوره على المنصة، وسط زملاء يحسون بما يملكه من حضور، فاعلا متحركا خفيف الأنامل وخفيف الروح، قادرا على أن تكون له شخصيته الخاصة، كشاب له من الاستقلال ما يكفي، وكصاحب موسيقى تنعش الروح على حد سواء.

وإذا كانت شخصية الإنسان، وذكاؤه، من الأمور التي تكمل نجاحا يبدأ بالموهبة، فإن من الممكن القول إن هذا الشاب نال الأطراف جميعا، وبأعلى تقدير، فهو يتمتع بذكاء تؤكده نتيجته في الدراسة الثانوية، ويتمتع بحضور مسرحي لا يخفى على من يحضر عزفه، ويتمتع بطموح كبير في اتجاهات عدة، تمثل الموسيقى الشرقية جزءا أساسيا منها، وربما من أجلها اختار نوع دراسته، حتى يكون لديه وقت لهذه الدراسة، ووقت آخر للموسيقى التي يعشقها وتعشقه.

تامر أبو غزالة، تأسس على أياد أصبح العود جزءا من أعضائها البشرية، فمنحته مهارة يستحق أن تكون له، لأن موهبته سبقت إلى ذلك، ولأن انشداده إلى العود والبزق كاد يولد معه، ولأن انشغاله بالموسيقى، سبق انشغاله بتعلم الأبجدية، لذلك لا يمكن أن يكون غريبا عليه تحقيق هذا القبول الذي يجعل قاعة التكريم تمتلئ في حفل وداع، ويجعل الأكف لا تكف عن إبداء إعجابها الصدق والعميق، بعد أن هزت الأوتار مشاعرها، وحلقت بها في أجواء لا تكون، إلا حين يكون العزف قادرا على أن يحرك الأجواء.

هذا الشاب الذي كرمه زملاؤه في مركز الأرموي خير تكريم، وكرمهم باعترافه لهم بالفضل كاملا، يشد الرحال الآن إلى مصر، البلد الذي ولد فيه، والبلد الذي تنجذب إليه كل المواهب العربية الفنية، فلا تضيع موهبة أصيلة، وإنما تنفتح حولها الآفاق على اتساعها، وتكرس من أجلها كل الجهود الخيرة، فلا يكون عليها إلا أن تتنفس هواء الفن العليل.

هذا الشاب، كما رصدته وأنا أستمع إلى عزفه وغنائه، تصورت أنه وحده سيكون قادرا على أن يدعم نفسه في الفن، لأنه يملك منه الكثير، ويتطلع إلى ما هو أكثر. وليس علينا إلا أن نوصيه بنفسه خيرا، لأن هذه النفس التي تفيض فنا، ستكون قادرة على أن تمنح الناس مزيدا من الحب، ومزيدا من السعادة.

* جريدة الأيام، السبت 19/7/2003، صفحة 20 (تتمة صفحة 17)