"ومضة على أمسية موسيقية"

ميّه شلبي/كفري

"الموسيقى لغة النفوس، والألحان نُسيمات لطيفة تهز أوتار العواطف...هي أنامل رقيقة تطرق باب المشاعر وتنبه الذاكرة فتنشر هذه ما طوته الليالي من حوادث أثرت فيها بماض عبر...هي رنة وتر تدخل سامعتك محمولة بتموجات الأثير...قد تخرج من عينيك دمعة محرقة أثارتها لوعة ناي حبيب أو آلام كلوم خرقها ناب الدهر...وربما خرجت من بين شفتيك ابتسامة كانت والحق عنوان السعادة والرخاء...هي جسم من الحشاشة له روح من النفس...وعقل من القلب..."

جبران خليل جبران

 قول لجبران عاد ليطرق مسمعي في أمسية جاءت تكريما للطالب تامر أبو غزالة...حملت معها الكثير. امتلأت القاعة بحشد من الجمهور المعني بسماع موهبة شابة...تعبر عن ميلاد فن أصيل … يداعب رقي المشاعر لتتحول موسيقاه نغمات ابتدأها بمحاورة بين عودين...تامر ونزار فجاءت "يا رايح صوب بلادي" بتوزيع جديد، لتجسد حواراً يحمل بين طياته شفافية حب الوطن وناي حبيب في غربة عن هذا الوطن...لتنطلق بعدها رنّة "أم الخلخال" وتتحول الرنّة إلى صرخة تهز المشاعر لتنطلق من عقالها بنبض قوي عارم...وبعد هذا وذاك جاءت "يا حنينة" وعتاب حالم ينساب كمياه غدير صاف...لتتعانق المشاعر الإنسانية...بحنان جارف يعبر عن حب صادق...تنوع ساحر لفقرة أولى ضمت تامر ونزار. يستمع بعدها الجمهور الحاشد لثلاثي واعد: تامر ومحمد وريم في سماعي مسعود جميل فيتآلف العود مع الكلارنيت مع الكمان ليولد نغمُ يدل على براعة وانسجام بين تامر ورفيقيه...ويأتي صوت تامر يسابق النجوم  ليحول سخرية تميم البرغوثي في "النملة" إلى واقع نعتاشه ونحس به كل يوم...فكيف يمكن للنملة أن تنقذ نفسها من رغوة الصابون؟!! ترجمها تامر بلحن قوي عاصف...ويكفي المرء أن يقف أمام اختيار تامر للكلمات وكيفية إيصال اللحن إلى الجمهور ليترجم سخرية تميم بلحن قوي يشدّ الجمهور الذي يقف حائرا أمام إنقاذ النملة...

يأتي بعدها صوت تامر والحب الصادق في قصيدة من العصر الأموي تغنى بها مجنون ليلى...فحولها بصوته وألحانه لتؤكد أن الحب الصادق لا يتغير ولا يتبدل مع مرور الأزمان. فصدق المشاعر أقوى من العصور وستبقى عنوانا لبني البشر...جاءت هذه الأغنية بصوت تامر ولحنه لتدخل شغاف القلوب...وتنقلنا إلى ترجمة كلمات مجنون ليلى، تحيلها وعياً حقيقياً قي القرن الحادي والعشرين. 

عزف تامر على العود تارة والبزق أخرى...فإذا به يؤكد أن الموسيقى مشاعر وأحاسيس...رنة وتر…تعبر عن رهافة حس لتعكس شخصية هذا الشاب وحساسيته المرهفة لتفيض روحه مشاعر حب صادق…وتأتي الفقرة الثالثة بين الأستاذ وتلميذه خالد وتامر ليقدما لحنا أثار مشاعر الوداع. جاءت موسيقى يا مسافر وحدك وفايتني لتؤكد تلمذة التلميذ على المعلم…خالد علَّم تامر فأصبحت مداعبة أوتار العود جزءا من شخصية تامر تلقي بظلالها لتبرهن على ذكائه وقدراته…التي يلمسها كل من يعرف تامر. وختمت الأمسية بجوقة رام الله فأمتعت الجمهور بصوتها وثلاث موشحات آخرها سيبوني يا ناس…صرخة تنطلق من حناجر فتية…تعبر عن معاناة الحبيب…أمام قسوة الحياة…ولكنه يعود مستبشرا بالحبيب…فحبه بين ضلوعه...يتنفسه وينثني أمام قسوته...ويأتي عزف خالد وتامر ليحولا معا كلمات الأغنية إلى مشاعر إنسانية راقية…

أمسية عرفت الجمهور على شاب صاعد…لمستقبل واعد…ألهبت أكفهم بالتصفيق لتعبر عن تذوقهم واستمتاعهم بفن تامر وإيمانهم بقدراته…لأعود بعدها إلى كلمات جبران…فتجاوب الجمهور جاء مؤكداً أن الموسيقى لغة النفوس…تهز أوتار القلوب…هي كالمصباح تطرد العتمة فتنير القلوب…والألحان ما هي إلا أشباح للذات الحقيقية لصاحبها…ترجمها تامر بعزف وغناء…متوحدا مع رفاقه تارة…ومنفرداً أخرى...فألقت الضوء على شخصيته لتبشر بميلاد فنان.