|
عُود وعَوْلَمَة حبيب شحادة حنا
تمهيد يخلق أنور براهم في عمله هذا جواً موسيقياً جديداً، مُستخدماً كل الوسائل المتاحة أمام الموسيقي من تلحين وتوزيع وعزف. لعل أنور براهم بمقولته الموسيقية هذه يحاول التأكيد على أن الموسيقي العربي لم يطرق بعد جميع الأبواب الممكنة في العمل الموسيقي، وأن الموسيقى العربية لم تستنفذ طاقتها بعد، وأن إمكانيات التعبير لا تزال ممكنة فيها. وإن كان أنور يوظف في عمله الموسيقي مميزات غريبة عن الفكر الموسيقي العربي، شأنه شأن الكثير من الموسيقيين العرب المعاصرين، فهو ينجح في الحفاظ على هوية خاصة ومقولة شخصية متميزة وإن كانت بعض الأحيان متكررة. أنور براهم العازف: 1- تقنية العزف: يتعامل أنور براهم مع آلة العود تعاملاً جديداً، ويُصدر منها صوتاً لم يعهده المستمع العربي قبله، ويستخدم في عزفه وبمهارة تقنية "الريشة المقلوبة" كما هو متبع اليوم عند كل عازفي العود المحترفين، ويستخلص من العود صوتاً مميزاً، هادئاً ومنطوياً، ويكون وقع الريشة على الأوتار وقعاً خفيفاً جداً. إن لهذا التعامل التقني الخاص مع العود بُعداً فنياً هاماً إذ يأتي للموسيقي والمستمع العربي بالصوت الجديد من آلة العود، وهو الصوت المميز لأنور براهم، ومن ناحيةٍ أخرى، فيه توجه جديد للتفكير الموسيقي المطلوب في الزمن المعاصر من الموسيقي العازف عند تأديته للنص إن كان حديثاً أو كلاسيكية، فلا يُسأل العازف عن مفهوم موسيقاه فقط وإنما بأي صوت وتوزيع موسيقي يقدم المقطع أو الأغنية. من الهام أيضاً فهم الإمكانيات المتاحة في أيامنا لخدمة الفنان، فأنور خبير في أهمية إستخدام التقنيات، وهو كعازف أستوديو يوظف مؤثرات صوتية تضيف لصوت الآلة -والعود بالأساس- حميمية وفردية وتساهم في خلق الحالة التعبيرية المرادة في العمل الموسيقي "برزخ". 2- الإرتجال الموزون: الإرتجال (التقاسيم) هو أحد أهم مزايا الموسيقى العربية، و العازف الذي يقسم أو يرتجل على آلته يغدو هو الملحن لتقاسيمه وإرتجالاته، وتقاس مهارته بمدى مقدرته على التنويع والتشكيل في المقامات عند عزفه للتقاسيم. والتقاسيم في المشرق هي من نوعين: 1)التقاسيم الحرة، الخالية من الإيقاع أو الوزن. 2)الإرتجالات الموزونة، أي التي يُؤدى بهيكلية إيقاعية مشتقة عن ميزان معين. يجعل أنور مقولته في الإرتجال الموزون فقط، لأن العزف الحر في "برزخ" مدروس، وإن كان عفوياً حيناً وتلقائياً حيناً آخر، إلا أنه يُقدَم مُلحناً، أي أن الملحن يخطط العبارات الموسيقية مسبقاً، والتوجه الموسيقي يختلف بماهيته عن الإرتجال العفوي الحر، بل هو على الأكثر لحن مكتوب موضوع لأدائه بشكل غير موزون. للاستماع: الإرتجال الموزون في "عطر الغجرية" (Parfum de gitane) في عطر الغجرية الإرتجال مبني على ميزان المقطوعة الموسيقية، ويكون توجه أنور كعازف موازياً لفكره كملحن ذلك لأنه يتعامل مع الميزان وإيقاعيته تماماً مثيراً، فالميزان صيغة ثابتة موضوعة، ويحاورها أنور ليرسم من خلالها وفوقها صيغة جديدة وزوايا إيقاعية فريدة، والمثال السابق يدل على توجه العازف في كل المقطوعات الموسيقية إن كان ذلك في الألحان الثابتة أو في الإرتجالات الموزونة. 3- التوزيع: تتوزع الألحان في "برزخ" ما بين 3 آلات هي العود، الكمان وآلات إيقاعية كالبندير (المزهر) والطبلة. بعض المقاطع هي للعود المنفرد ومقطعان هما إيقاعيان لآلة الطبلة. إن هذه التركيبة المقتصدة تتلائم مع الهدف التعبيري الذي يريده الفنان من العمل الفني، وهو الحس الرومانسي المنفرد الذاتي الذي يجعل المستمع يتفاعل حسياً ويتلائم مع هذه الموسيقى بوحدوية ما، وإن كان المستمع الغربي هو الجمهور المستهدف، إلا أن المستمع الشرقي يتذوقه أيضاً ومن الممكن أن تصله رسالة الفنان ومقولته الفنية بلا شك، ومن دون حدود. نشط في العالم العربي التوجه إلى الأسلوب الفني الآلي، وذلك منذ النصف الثاني للقرن العشرين، إذ لم تتطور في الموسيقى العربية الكلاسيكية موسيقى الآلة، وأُعتبرت الآلة مجرد وسيلة لمرافقة المغني أو المغنية أو مجموعة المغنيين أو المغنيات. سُميت الفرقة الموسيقية العربية التقليدية بالتخت الشرقي، وتتكون من عود وقانون وكمان وناي وآلة إيقاع شرقية كالدف (الرق) أو الطبلة. أنور يبتعد بتركيبته الآلية عن الصوت الموسيقي الكلاسيكي والذي ينتج عن التخت الشرقي، لأن المحاولات لإيجاد أصوات مختلفة من تركيبة جديدة للآلات الشرقية أمر هام، وهذا ما يُنّوع ويُغني في الناتج المسموع من المجموعة الموسيقية، بل أكثر من ذلك، أن الموسيقي العربي غالباً يجد مقولته الموسيقية الجدية فقط عند أدائها بفرقة موسيقية كبيرة تحتوي على الكثير من الآلات، بعضها شرقية، ولكن على الأغلب آلات غربية، وكأن المقولة الموسيقية الهامة لا تكتمل إلا بوجود تركيبة من هذا النوع. من الهام أن أنور يؤدي مقولته بتركيبة مقتصدة من الآلات دون أن يُشعر المستمع بنقص في عدد أو نوع الآلات المُستخدمة. أن أحد مناحي التجديد في "برزخ" هو التوجه المميز في عزف الإيقاع. في بعض المقطوعات (عطر الغجرية) يُرافق الإيقاع اللحن ويتناسق مع زواياه اللحنية، إن كان ذلك عند مواضع الصمت أو في مجمل اللحن، أي أن آلة الإيقاع لا تأخذ من الميزان شكلاً إيقاعياً ثابتاً تلتزمه من أول المقطوعة إلى آخرها، بل تشارك الآلات الأخرى في المقولة اللحنية عامةً. أنور براهم الملحن: 1- اللحن يضع أنور ألحانه في سلالم موسيقية تبعد بمفهومها عن "المقام" في الموسيقى العربية، أي أنه يبتعد عن التعامل بالمنطق الموسيقي العربي الكلاسيكي. فالمقام تعريفاً هو: (سلسلة من 8 نغمات -الأولى منها هي النغمة الأكثر مركزية- تترتب بمجموعتين أساسيتين تُدعى الواحدة منها جنس، وفي المقام الواحد جنسان أساسيان كل منهما يتكون من أربع نغمات). لكن المقام عملياً ليس مجرد مجموعة من النغمات، وإنما توجيه للموسيقي الملحن أو العازف على السواء، فالمقام يُملي على الموسيقي أو العازف "مذاهب" أو "سبل لحنية" يقاس بحسبها عند وضع الألحان فيه، أحياناً تكون لمقامات مختلفة نفس النغمات تماماً، ومع ذلك تُطلق عليها أسماء مختلفة بسبب "التصرف الموسيقي" أو "السبل اللحنية" التي تُميز أحدها عن الآخر. إن اللحن الذي يصيغه أنور لا يخضع لهذه المعايير المتبعة في الموسيقى العربية، سواءً كان ذلك في الألحان الثابتة أو في الإرتجالات على آلة العود. أما اذا قيمنا ألحانه حسب المعايير الفنية الغربية البعيدة عن المقامات فتواجهنا مشكلة أخرى، إذ يتعامل أنور في ألحانه مع السلم الأساسي فقط ولا ينتقل من سلم إلى آخر، ويكاد لا يخطو بلحنه الموضوع بعيدا ًعن نغمات السلم الأساس، فبذلك يعتبره سلماً أحادي البعد، لعل ذلك بسبب الجو الموسيقي الخاص الذي يريده من مقطوعته الموسيقية، والذي يقوده إلى صياغة ألحانه من سلم المينور وليس من مقام النهاوند المقابل له في الموسيقى العربية (مثلاً: "رفرف"، المقطوعة 1 في الإسطوانة)، أو من سلم الماجور وليس في مقام العجم المقابل له في الموسيقى العربية (مثلاً: "سَرَنديب"، المقطوعة 6). مع ذلك وكما قلت سابقاً فإن إستخدام المينور والماجور هو إستخدام أحادي البعد، يبعد عن توظيفه موسيقياً توظيف الملحن الغربي، فلا يتطور اللحن بالإنتقال إلى سلالم أخرى، ولا يبحث عن علاقات موسيقية ما بين عمله الموسيقي في هذه السلالم وما بين سلالم قريبة (تشترك مع السلم الأساس بعدة نغمات) وسلالم بعيدة (تشترك مع السلم الأساس بنغمات قليلة). للاستماع: مقطع من "رفرف" (Raf Raf) هذا اللحن بسلم دو مينور أو دو صغير، وفيه يأتي أنور بمقولة موسيقية خاصة، فهو يبني جمله اللحنية بإيحاء من الوزن الموسيقي (الوزن هو النبضات وترتيبها في مجموعات متساوية وقياسها بدورية ثابتة)، لكنه لا يلتزم بمجمل الوزن الموسيقي، و"يتجاهله" أو يلغيه في نهاية الجملة اللحنية. الجملة اللحنية تأخذ طابع البداية الموزونة والنهاية غير الموزونة، ففي نهاية الجملة تتكرر نغمةُ واحدة بوتيرة تكسر القياس الذي يفرضه الوزن، وهذه النغمة تأخذ أطوالاً زمنية مختلفة، ويكون دخول الجملة اللحنية التالية بعدها مباشرةً مما يُدخل عنصر المفاجأة للمستمع، فيشده ويثيره ويجعله يترقب دخول الجمل اللحنية أو إنتهائها. والجمل الموسيقية بأطوالها المختلفة لا تتشكل بحسب دورية الوزن (الحقول الموسيقية أو المازورات) وإنما تكسر القالب الوزني الذي يحاوره الملحن، وتعرض بإثارة وبعفوية صادقة تخدم العنفوان الحسي عن طريق الكثافة الإيقاعية المؤدى فيها "رفرف". في "رفرف" يأتي الملحن بمفهوم موسيقي حديث وجيد لأن الألحان الموسيقية بطبيعتها تتوائم مع الوزن كلياً وتتناسق معه وعندها يتركب فوقه الميزان (الإيقاع المبني على الوزن الموسيقي ويتناسق معه ومع دوريته)، أما هنا فتحصل محاورة ما بين هذه العوامل الثلاثة وُيعرض صراع ما بين الجاذبية التي يفرضها الوزن على اللحن الموسيقي وبين اللحن بذاته، وهذا الصراع يجعل بداية الجملة تأخذ الطابع الموزون والنهاية غير الموزونة. 2- إستخدام الأكورد (chords) إحدى الظواهر الآخذة في الإنتشار مؤخراً عند الموسيقيين وعازفي العود في الشرق هو إستخدام الأكورد. (الأكورد هو مجموعة من 3 نغمات على الأقل تفصلها مسافات معينة، وتعزف إما كوحدة واحدة في نفس الوقت ويسمى أكورد هارموني (harmonic chord)، أو بتتابع لحني ويسمى أكورد لحني (arpeggio). والأكورد هو أحد ركائز التفكير الفني في الموسيقى الغربية. الهارمونيا هو العلم الموسيقي الذي يتعامل مع الأكوردات وظيفتها وقوانين عرضها وإستخدامها لمرافقة اللحن المعزوف، وكيفية دمجها مع اللحن الموسيقي). إستخدام الأكوردات في الموسيقى العربية هو إستخدام غريب عنها، فالموسيقى العربية لا تعتمد على تعدد الأصوات الموسيقية المؤداة في نفس الوقت (بوليفونيا) وإنما بغنى التفاصيل والنمنمات اللحنية للخط الواحد المنفرد والذي لا يحتاج ولا يتحمل مرافقة نغمات أخرى لتلك الموجودة في اللحن ذاته أصلاً، كذلك فإن الأكوردات بإيحائها الهارموني تتطلب وتفرض "مستويات صوتية" فرعية في اللحن الموسيقي، وكل مستوى هو عبارة عن خط لحني مرافق للحن الأساسي وهذا اللحن المرافق، إن وجد، يكون بحاجة إلى توضيح وإستمرارية حتى هدف صوتي واضح وإلا فقد مصداقيته الفنية تماماً، فعند عزف هذه الأكوردات في الموسيقى العربية تقحم موضوعات موسيقية غريبة عنها وتكون عادة بدون هدف صوتي واضح، وإنما تحصل فوق نغمات قليلة في آلة العود، فتقنيات آلة العود تمكن العازف من عزف القليل القليل من هذه الأكوردات ويجعل توظيف الأكورد توظيفاً شكلياً يخلو من التطوير والمعالجة الصحيحة وبالتالي بدون هدف مبرر بنيوياً ولا حتى شكلياً، وعرضها بهذه الطريقة هو تهجين للمفهومات الموسيقية الغربية، وتسخيف لها، ولكن الموسيقي العربي يحاول عبثاً دمجها في موسيقاه ولا يولي أهمية لموضع ظهورها أو تطويرها مع إنسياب اللحن الموضوع وإحتياجاته، وإنما يستخدمها "للتنويع" وكأنه "تجديد". يستخدم أنور الأكوردات في أماكن محددة فقط، وذلك لإبراز زوايا إيقاعية معينة للجملة اللحنية، وهذا يُعد تأثير واضح من التفكير الإيقاعي الغني الموجود في موسيقى الفلامنكو الأسبانية والتي فيها التوجه الإيقاعي هام جداً، وفيها تبرز زوايا الجملة اللحنية عند عزف الأكوردات، والتي تُعزف على جيتار واحد أو أكثر للتأكيد على إنتهاء جملة موسيقية واحدة وإبتداء أخرى. إلا أن موسيقى الفلامنكو ترتكز على مفهوم هارموني خاص إذ لا تعرض الأكوردات في مكان واحد وإنما منذ بداية اللحن الموسيقي وحتى نهايته، شأنها شأن المفهوم الغربي، أي أنك تسمع عدة مستويات صوتية للحن الموسيقي وهذه المستويات تتفرع عن اللحن الأساسِ وتتطور بمحاذاته من نقطة إنطلاق إلى نقطة نهاية بصورة منطقية. 3- الإيقاع: إن أهمية أنور الملحن وتحديثه، في نظري، لا تكمن في غنى الجملة النغمية، ولا بعرض اللحن الموسيقي، لأنه وكما ذكرت، لا يتطور من سلم إلى آخر ولا يحوي تلاعب بالنغمات ولا يأتي بنغمات غريبة لتزيين الجملة الموسيقية، والأهم لأنه لا يتوجه للمقام توجه الأجناس، وإنما تكمن في إيقاعية الألحان، إن كان ذلك ببنية الجملة الموسيقية وتناسبها مع مواقع الشد والإرخاء الموجودة في الميزان أو حتى بإيقاعية الجملة الحرة التي تنبثق من مفهوم التقاسيم في الموسيقى العربية. إن إيقاعية الجملة الموزونة (مثلاً: "عطر الغجرية"، المقطوعة 8) أو المرتجلة (مثلا: "رفرف"، المقطوعة 1) تأتي للموسيقي العربي بالأمر الجديد، لأنها ترسم وتحدد زوايا غير معهودة في الجملة اللحنية، والتي تأخذ عندها طابعاً وبعداً جديدين، فإذا كان من المفهوم لدى الموسيقي العربي أن الجملة اللحنية تقابل وتتناسق مع إيقاعية الميزان -سواءً في الغناء أو موسيقى الآلة-، وتتلائم مع تفاصيل الإبراز الإيقاعي الثابتة والمتكررة من حيث الضرب (الدُم/التك)، تتحول إيقاعية الجملة الموسيقية لدى أنور لترسم زوايا جديدة لم نعهدها في الموسيقى العربية بل في أنماط إيقاعية من موسيقى الفلامنكو الأسبانية، وينطبق ذلك ليس على المقاطع الموسيقية المرافقة بآلة الإيقاع فحسب، وإنما على المعزوفات المنفردة (السولو) أيضاً، على سبيل المثال "رفرف". 4- أرباع الدرجات: تخلو ألحان أنور تماماً من أرباع الدرجات، فكل المقطوعات الموسيقية وضعت في سلالم مبنية من أنصاف الدرجات ومضاعفاتها، ذلك يقرب ويبين تأثير الموسيقى الغربية على الملحن (لأن الموسيقى الغربية الأوروبية أيضاً لا تحتوي على أرباع الدرجات التي تخص وتميز الموسيقى الشرقية عبر الأجيال). "من الواضح أن الموسيقى الشعبية في المغرب العربي تأثرت تأثراً كبيراً من المستعمر الأوروبي"، كما يصف ذلك أنور، وكذلك "أن الموسيقى الشعبية لم يتسع فيها إستخدام أرباع الصوت"، وهكذا من الممكن أن يفسر أنور عدم إستخدامه لأرباع الصوت. من المؤكد أنه لا يمكن إخضاع الفنان لقواعد معينة حتى وإن كانت من المميزات الخاصة للمكان أو الزمان الذي ينتمي إليه، ففي كثير من الأحيان يسبق الفنان زمانه بتحديثه، ويترفع عن حدوديات المكان بإبداعه الفني، ولأن الموسيقى إحدى أبواب الفن بل أكثرها حساسية للتغيير أو الضياع كونها فناً مطلقاً، محسوساً وليس ملموساً، يصعب الحفاظ على المميزات الخاصة بموسيقى حضارةٍ ما بشكل ثابت، وعند التحديث في الموسيقى من الممكن أن تختفي هذه المميزات بصورة حادة، إذ يتعرض الفنان في زماننا لتأثيرات بالغة القصوى والتي هي غريبة عن محيطه الإجتماعي والثقافي والفني، فيبقى له الدور الأهم في الحفاظ على هذه المميزات وتطويرها. لا شك في أن تشرب الفنان العربي مؤثرات من مفاهيم فنية غريبة وعالمية هو أمر حتمي، وإن الإلتحاق بالعصر والتجديد والتحديث الفني هو شيء بالغ الأهمية للإتيان بروح العصر في العمل الفني، وأن الإتصال ما بين ثقافات عديدة هو أمر سهل في عالمنا اليوم، ولكن يبقى من الأهم توظيف المميز الخاص لكل حضارة، فالعولمة مع كل الأمور الإيجابية المُستقاة منها إلا أنها على الأغلب تنشر ثقافة الأقوى وثقافة المسيطر والذي يهتم بأن تكون حضارته هي المركزية والسائدة، وفي غضون ذلك تُمسح أحياناً ثقافات وتُرسم لها مواقع جديدة، ويُقطع المد التاريخي ما بين الماضي وما بين الحاضر، وعندها يأخذ الفنان من العولمة هدفاً، وعن طريق إشباع فنه من التأثيرات تلك، يبعد عن الخاص بل ويهرب منه بسبب الجمود السائد في العمل العام وفي الحالة العامة في المشرق العربي والموجودة في النفس الفنية الخاضعة والمتعاركة مع كل هذه التغييرات السريعة والمفاجئة التي تطرأ عليها يومياً . خلاصة: الجو الحسي السائد في هذه الإسطوانة يُملي التوجه الموسيقي، أو إن صح التعبير الإندفاع الموسيقي الذي يحدد في إطار معين لا يتغير في كافة الألحان. وإن كان أنور قد نجح بإيجاد لغة خاصة في عمله الموسيقي هذا، ووضع الجديد فيه، إلا أن المستمع يتشوق للتلوين والتطور الموسيقي أن يحدث في مقطوعات "برزخ"، لكن "التكرار الفكري" الموسيقي قد يجعل المستمع أحياناً يفقد من إهتمامه بالعمل لأن "جاذبية" المقطوعات تكمن في إختلاف الأجواء لا في تكرارها. من الواضح أن النتاج الفني المُقدم في "برزخ" ليس موجهاً إلى المستمع العربي بالأساس، ذلك لأنه لا يلتزم بمميزات ومعالم اللغة الموسيقية العربية، ويتوجه من باب مختلف عن المعهود لدى الموسيقي العربي، فيحاور بذلك الأزمة الفكرية الموجودة في المشرق والتي تؤثر بدورها على الفن بكل أشكاله. من المؤكد أن الفن هو أحد الأركان الحضارية لأي من المجتمعات الإنسانية والتي تبحث عن الخاص بها وبكل ما يتعلق بنهج معالمها الزمانية والمكانية، وتريد الحفاظ عليه بكل ثمن. يبتعد أنور بتلحينه عن الأجواء الموسيقية العربية التقليدية، وفي إبداعه يحاول إيجاد الجديد، وعند هذا الجديد تطرح الأسئلة بإستمرار عما إذا كانت لهذا الجديد علاقة ما بالموسيقى العربية، وتدور نقاشات حول النهج والشكل والمضمون. وحول هذه النقاشات أقول أنه من زاوية رؤية عربية يمكن الإستفادة من كل ما هو جديد وهام لأنه بهذا الجديد يتأثر الكثيرون إن كان سلباً أو إيجاباً، وهو بالطبع يُثري آذان المستمعين والموسيقيين على السواء ففي العمل الفني بعض من كل، إن كان ذلك على مستوى الإنتاج أو الإستهلاك. _____________________________________ * "بَرزَخ" ألحان وتوزيع: أنور براهم عود: أنور براهم كمان: بشير سلمي إيقاع: الأسعد حسني ©1991 ECM Records، Printed in Germany
Copyright ©، 2003، Al-Urmawi- Center for Mashreq Music. All Rights Reserved |