|
الشخصية
الموسيقية تامر أبو غزالة* انطلقت الإنتفاضة في
فلسطين عام 1987، وذلك بعد أعوام من كبت
وتراكم الطاقة الشعبية الفلسطينية. نلاحظ
في تلك الطاقة أنها انشطرت ما بين الطاقة
الجماعية الشعبية الجارفة وبين تلك
الفردية متعددة المجالات التي ما زلنا نلمس
تأثيرها وطرحها الفكري حتى الآن, فرقة "صابرين"
هي أحد هذه العوامل التي تأثرت بفترة ما قبل
الانتفاضة فاتجهت إلى إبداء مقولتها
الخاصة. أصدرت الفرقة ألبوم "موت النبي"
عام 1987 فالتحم زمنياً وفكرياً مع الانتفاضة,
وكان محاولةً جدية لولادة "انتفاضة
موسيقية" نوعية
على صعيد الموسيقى العربية والموسيقى
الفلسطينية التي تعطشت لشخصية تمثلها
وتميزها. ما نجح فيه هذا العمل بشكل أكيد هو
إيجاد شخصية موسيقية نوعية لفرقة "صابرين"
نفسها. أكثر
ما يميز "موت النبي" هو ما يمثله
الألبوم لفرقة "صابرين" ولأفرادها.
عندما أستمع إلى الأداء أتحسس فيه شعوراً
احتفالياً عفوياً، سواءً في الغناء أو عزف
الآلات، فأشعر بحماسة أفراد الفرقة لما
اكتشفوه من شخصية موسيقية فريدة في أعمال
الألبوم، على صعيد الجو المطروح والألحان
والتوزيع والكلمات المختارة. ومن الغريب
أنك عندما تلاحظ في الألبوم "عدم إكتمال"
الجانب التقني في الآلات والغناء -إلى حد ما-
إنما تعده أحد العوامل الإيجابية لتلك
الشخصية الموسيقية؛ فحين تستمع إلى الأداء العفوي، خصوصاً من قبل كميليا جبران في الغناء
وسعيد مراد في العود، تدرك أن ثراء الطاقة لدى الفرقة كأنما
يغنيها عن "الإبهار التقني". فيما
يلي سننظر إلى الأداء، إلى جانب الكلمات
والألحان والتوزيع، بشكل تفصيلي، لنعكس ما تركته تلك
العوامل من أثر في شخصية " صابرين"
المستقلة التي يطرحها "موت النبي". الكلمات المختارة- بين حسين
البرغوثي وصبحي الزبيدي ربما
أكثر ما يعطي ذلك الجو وتلك الشخصية في "موت
النبي" صدقها –إلى جانب عفوية الأداء- هي
الكلمات المختارة. اختارت الفرقة العامية
الفلسطينية التي لا تحتوي على مفردات عامية
في سياق معتاد فحسب، بل تستحوذ على الجمل
والعبارات المصاحبة للبديهة الفلسطينية
التي تعكس رؤية "صابرين" بشكل خاص - كما
تعكس رؤية الفلسطيني بشكل عام- للحياة
الفلسطينية بجوانبها. ذلك بخلاف معظم
الأغاني والأشعار العامية التي عهدناها،
التي تستخدم اللهجة فقط ولا تضم العبارات
اليومية التي تخص تلك اللهجة، ربما لأننا
قد اعتدنا مطولاً على اختصاص الألحان
الشعبية "الهابطة" فقط بإستخدام
ذلك النوع من العبارات الشعبية. أبرز تلك
الأُغنيات في الألبوم هي "عيش يا كديش"
لصبحي الزبيدي، وعبارة "عيش يا كديش"
نفسها تُقال حين يسخر أحد من أمنيات الآخر
التي لن تتحقق، فيقول له بما معناه "عيش
يا كديش حتى تتحقق طموحاتك". تحوي
العبارة أكثر من معنى حين تُستخدم، فهي
تُعْلِم المُتمني أن طموحاته مستحيلة، وفي
نفس الوقت تنصحه ساخرة بأن يستمتع بما لديه
من تعاسة لأن حاله لن يتحسن، فكلمة "عيش"
في العامية تأمر الشخص بالاستمتاع بما لديه.
لذا أُستخدمت عبارة "عيش يا كديش" بشكل
ساخر في شعر صبحي الزبيدي، فهي تخاطب
الفقير المفلس الذي "بدو ميّة وبدو عيش"
وتُبشِّره بحال أفضل ومال وفير في نهاية
المطاف، بشرط أن يعمل كالـ"كديش" ولا
يتوقف. "الكديش" هو الكبش الذي يُستخدم
للعمل، أو يتصف به أولئك أقوياء البنية
أيضاً في الحديث العامي الفلسطيني، ومن
الواضح أن الكاتب هنا يصف وضع العمل عند
عامة الشعب، فهم يُطالبون بالعمل كالأحصنة
ويوعدون بالرخاء والراحة الوهميين. يجعل
ذلك الاستخدام الشعري للعبارات العامية
الفلسطينية المستمع يطّلع أكثر فأكثر على
التراث والثقافة الفلسطينية، كما أن
الأُغنية تتناول حياة الفلسطيني من ناحية
غير مطروقة في "الفن الملتزم" وهي
حياته المالية لا تلك السياسية المعهودة.
ربما كان هدف "صابرين" من اختيار ذلك
النوع من الكلمات وتلك القضية -التي تهم
معظم الشعب الفلسطيني- هو نوع من التقرب من
آذان تلك الطبقة واستقطابها، مما يقوي أُذن
عامة الشعب الموسيقية نفسها، وهو ما نحتاجه
في الوقت الحاضر. صدق تلك المحاولة بالذات
هو قضية أخرى ربما تحتاج إلى المزيد من
التمحيص والنقاش. أما تلك الأُغنيات التي
تتضمن العامية الفلسطينية بشكلها الرسمي
الأنيق الذي لا يحتوي العبارات العامية،
مثل "أُغنية الطفولة" لحسين البرغوثي،
فتميزها الحنكة والفلسفة واللغة الشعرية
غير البسيطة التي تعكس معظمها رؤية للحال
السياسي النفسي الفلسطيني، وفي "أُغنية
الطفولة"، حياة الطفل الفلسطيني، فيكون
إستنتاج البرغوثي: "هذي طفولة مصادرة".
من الأمثلة الأخرى على ذلك النوع من اللغة
أُغنية "يا حلالي". يحافظ البرغوثي في
تلك الأُغنية على الوزن والقافية
المطلوبين، فيطرح القدرة الرهيبة على
تسخير الكلمات في صالح ذلك الوزن وتلك
القافية، ليُخرِج من كل نهاية جملة بداية
للأُخرى فيتسلسل المعنى ليصل دائماً إلى
"يا حلالي ويا مالي". تلك الجملة هي
نفسها التي تقرأها في العنوان، فتظن أنها
الأُغنية الشعبية الفلسطينية الإحتفالية
المعروفة، لكنك تُفاجأ بإستخدام البرغوثي
للعبارة الإحتفالية الشعبية في سياق معنى
مغاير. "خيّال المزغرتات" هي
أيضاً أُغنية يستخدم فيها صبحي الزبيدي
قالب أُغنية تراثية ذات قصة معروفة ليوجه
مغزاها بمعنىً درامي معاكس بشكل ساخر وواضح
إلى حد كبير. نرى مرة أخرى في "شيلة بيلة"
إستخدام البرغوثي للقصة الشعبية أو التراث
الشعري العربي، وهي شخصيات عنتر وعبلة،
ليجعل منها قصة رمزية ذات عدة أبعاد. لاحظ
أن كلمات الألبوم كلها موزعة بين حسين
البرغوثي وصبحي الزبيدي، في حين يطرح كل
منهما أسلوباً خاصاً ومختلفاً. كلمات
البرغوثي تميل إلى الرسمية في إستخدام
العامية الفلسطينية، بينما ترى فيها
الرمزية والحنكة واللغة الشعرية العالية.
أما الزبيدي "فتنشكح" لبساطته في
اللغة وربما سخريته بينما تستوعب فكرته
ورؤيته بسهولة. المميز في إنتقاء صابرين
لكل تلك الكلمات -الأمر الذي أثر على شخصية
الفرقة في الألبوم- أنها تحمل
من تنوع الأفكار ما يجرد الشعب الفلسطيني من
معيقات يومية سياسية وإقتصادية وإجتماعية، مما يعزز إنسانية الفلسطيني الذي لا
يُشار إليه في العادة إلا من الناحية
السياسية البحتة. الألحان-
سعيد مراد عندما تستمع إلى الألبوم تشعر
وكأنه "حقل تجارب" للفرقة، وللملحن
على وجه الخصوص. يختص سعيد مراد بألحان "موت
النبي"، كما يختص بكل ألحان فرقة صابرين.
قد يحفظ ذلك للفرقة طابعها وملمسها الخاص،
لكنه يعني أيضاً أن عبئاً كبيراً يقع عليه،
فنجاح الفرقة وتأثيرها يكونان رهن قدرته
على خلق الأجواء والأمزجة والأساليب
الموسيقية المختلفة وربما المتباينة في
الألبوم الواحد كيلا تقع الفرقة في شباك
الشخصية الروتينية التي يعتاد المستمع على
طابعها فيملّها. لكن ما يحرر "صابرين"
من تلك القيود النمطية، إلى جانب الأداء
الذي سنحلله فيما بعد، هي مهارة الملحن في
إتّباع النهج الواسع والمحدد الذي يُرسّخ
نفسه في ذهن المستمع، ربما لإلحاحه، لكنه
في نفس الوقت لا يتعدى حدود الروتينية التي
تقتل في العمل حيويته. أحد المآخذ على ألحان
الألبوم هو الاستخدام المتكرر للمقامات.
على قيد التوضيح، تجد في الأعماال الثلاثة
الأولى المتتالية في الألبوم نفس المقام (راست)
على نفس الدرجة (دو)، وبنفس "السكك"
اللحنية تقريباً، المتمثلة في طريقة
التنقل والتنويع بين الأجناس. لكني أتعجب
لأمرٍ آخر، وهو أن تلك الأعمال وضعت بترتيب
يبرز ذلك التشابه، إذ تلاحظ أن بقية
الألبوم كله يحتوي مقام النهاوند، عدا عن
"حب" المُلحنة بمقام (نكريز). تلاحظ
أيضاً "الإصرار" على الوزن الرباعي
المتكرر في جميع الأعمال، ما عدا موال "أُغنية
الطفولة" و"يا حلالي" ذات الوزن (2/4). الجانب
المتغير في التلحين إلى حد ما, هو إنتقاء
القوالب، فتجد الأُغنية والموال
والمونولوج واللحن الآلي من مقطوعة ولونغا.
في هذه الأيام يطغى طابع الكلمات المختارة
على طريقة تلحينها والقالب اللحني
المستخدم، وقليلاً ما يخطط الملحن لما
سيقولب فيه لحنه، فيترك الأمر للقدر
وللتأثير الوضعي الذي توقعه عليه الكلمات.
في "أُغنية وطنية"، على قيد المثال،
يتطابق الوزن الشعري بين الفقرتين: "علينا
نعيد المجد غابر" و"علينا نعمل
العجايب"، فيتكرر اللحن نفسه في كليهما
بطريقة متوقعة. ربما هذا ما حدث مع سعيد في
معظم الألحان المُغناه، كالمونولوجات التي
يفرض كلامها طبيعة بنيانها، والأُغنيات
التي تتكرر فيها القافية والوزن الشعري
فيكون تكرار اللحن تلقائياً. لكن اللحن
المرسل الأشبه بالموّال في "أُغنية
الطفولة" يُعَّرف المستمع أن سعيد قد خطط
ليجعله كذلك، لأن اللحن المرسل يجب أن ترسم
ملامحه حول الكلمات فلا يكون للوزن الشعري
والقافية تأثير على تكرارات اللحن، ليُمسي
الأداء الغنائي محوراً لحنياً أساسياً آخر. أما
المقطوعات الموسيقية الآلية في "موت
النبي" فهي ثلاث، إثنتان منها تتطابقان
كلياً بالمقام والدرجة والبنية اللحنية،
وهما "رقصة المقاومة" و"موت النبي".
لُحِّنت الاثنتان بمقام نهاوند (فا)، كما
تتركب كل منهما من القاعدة الّلحنية التي
تتفرع منها جملة لحنية أو اثنتان مبنيتان
على جنس غير ذلك الرئيسي، ثم تعود الجملة
الرئيسية فالفرعية وهكذا في دائرة متكررة
لربما مرتين أو ثلاثة حتى تنتهي المقطوعة
القصيرة. ما يميز ذلك النوع من المقطوعة
أنها متمحورة في تلك القاعدة اللحنية التي
تحمل مجمل العبرة المطروحة. حتى تلك
القاعدة اللحنية هي جملة لحنية غير معقدة
وغير مطولة، لكنها تحمل فكرة واضحة ذات
موقف معبر. "إرتجال على رقصة القمر" هي
القطعة الثالثة التي لُحنت أيضاً
بالنهاوند، ولكن على درجة (صول)، كما أنها
أقرب إلى قالب "اللونغا"، ذلك لأنها
ذات إيقاع سريع، وتحتوي على تسليم (لازمة
موسيقية) يُعزف بعد وقبل كل خانة، بوجود
ثلاث خانات. لكن ما تفتقر إليه هذه "اللونغا"
هو تنوع أفكارها بين الخانات المختلفة،
فكلها تقريباً تتوافق وتتشابه وتكمل بعضها
البعض. جعل الملحن الخانة الأخيرة في "اللونغا"
إرتجالاً للعود والقانون على الإيقاع، مما
يكمل معنى العنوان بشكل لائق. أحد
العوامل البارزة التي جعلت الملحن يسيطر
على أُذن المستمع هي قدرته على تنويع النبض
والإيقاع داخل الوزن البسيط في الألحان
ليلوّن بها الجو الذي يشاء. دليل على ذلك
التماثل في الوزن والمقام وحتى تنويعات
الأجناس بين "أُغنية وطنية" و"خيّال
المزغرتات"، ومع ذلك تلاحظ إختلافاً
واضحاً بينهما في الجو والنمط. من الأنماط
التي تدعم التغيير بين ألحان الألبوم
التطرق المتكرر لحس "الجاز" في
الإيقاع وفي النغم على حد سواء، كما في
إرتجالات الغناء والعود. لاحظ، على سبيل
المثال، جملة "مش نكبة ونكبتين" في "أُغنية
وطنية", إذ تُقطّع فيها الأحرف بإيقاعية
"النبر المتأخر" (syncope)، ثم ينتهي اللحن على النغمة السابعة
للمقام ويرتكز عليها، ما هو متبع كثيراً في
موسيقى "الجاز". يستخدم سعيد الـسنكوب
(syncope) كثيراً في تلك الأُغنية بالذات،
وخصوصاً في مقدمتها الموسيقية، مما يجعل
جوها نشيطاً متحركاً حيوياً. في
"يا حلالي"، تجد في جملة "شفنا بعلبك
مثل مراية" أيضاً "تطفل" مناسب
وإيجابي لحس (البلوز)، كما في التكرار
والإرتجال على جملة "فواج فواج يهبوا
الناس". ما يميز الإرتجال الغنائي هنا،
كونه أقرب إلى جو الـ(بلوز)، هي القفزات
المتكررة ذات المسافة الثالثة بين أصوات (الأكورد(. يتكرر ذلك النوع من القفزات كثيراً
في ألحان الألبوم، لكن ليس بشكل مزعج ولا
مصطنع، فإستعمال الكوردات يعتبر عادةً "إقتباساً
شائعاً" من الموسيقى الغربية، وهو غير
محبب إلا إذا وضع في السياق المناسب.
الأداء والتوزيع لو ألقيت نظرة فاحصة على أداء
"صابرين" في موت النبي، كما ذكرت في
البداية، لوصلتك تلك الرسالة الإحتفالية
العفوية التي إنعكست في نمط الألبوم ككل
وشخصية "صابرين" الموسيقية المميزة
فيه. وعندما أذكر عدم بروز الجانب التقني في الأداء
-الأمر الذي يخلق الجو العفوي الإيجابي-
إنما أقصد به عدم إصرار المؤدي على إصدار
النوعية الصوتية المطلوبة من آلته بشكل
كامل لتناسب السياق اللحني المطلوب، كما
أقصد عدم التكافؤ أحياناً ما بين سرعة
استجابة اليد في العزف وسرعة الخيال اللحني.
تُلاحظ ذلك في أداء آلة القانون على سبيل
المثال، فتجد أن أضعاف القوة والنتيجة
الإرتجالية كانت ستتحقق لو وجد "التوافق"
التقني الكامل. يتركز التوزيع على خاصية
القانون النقرية الإيقاعية التي تدعم
النبض والإيقاع وتشكل بساطاً خلفياً يبنى
عليه اللحن. مثال على ذلك المقدمة
الموسيقية لـ"أُغنية وطنية"،
فالقانون والبزق يثبتان النبض حتى قبل دخول
الآلات الإيقاعية، ثم في نهاية القطعة عند
إرتجال العود. يؤدي البزق دوره بشكل زخم
وجميل، لكنك تلمس حاجةً لسماع "ريشة بزق"،
لا ريشة عود وجيتار ممزوجين. يدعم البزق
الخط اللحني الرئيسي في معظم الأحيان،
ويقوم بمهام اللوازم الموسيقية أحياناً في
الألبوم، كما أنه يضيف الزخم و"الحشوة"
وقليلاً من الزخرفة للخط اللحني، مثال بارز
على ذلك دور البزق في "عيش يا كديش".
يشترك الكونتراباص مع البزق، ويؤدي الدور
الأكبر، في تشكيل الطبقة النغمية المنخفضة
التي تدعم الخط اللحني أو الغنائي، وهو
واجب تلك الآلة المتوقع. أكثر الأعمال
إبرازاً لآلة الكونتراباص هي "رقصة
المقاومة"، ففي المقطوعة الوضوح الأكبر
للخط اللحني المؤدى بالآلة بما أنها آلة
خلفية لا تبرز في العادة بشكل أساسي. أداء آلات الإيقاع بارع
ومميز وهو يكون إحدى خاصيات شخصية الفرقة
في ذلك الألبوم، ويكمن ذلك التميز في أداء
عدة آلات إيقاعية في آن واحد حسب نظام أو
نهج محددين. لكن كل الآلات المُستخدمة هي
آلات نقرية وبالتالي داعمة للإيقاع، من
قانون وبزق وعود وجيتار وكونتراباص، لذا قد
يتساءل المستمع إن كان ضرورياً أم زائداً
عن الحاجة أحياناً كثرة تلك الآلات
الإيقاعية. أما بالنسبة للمحاورة المحورية
في "موت النبي"، فهي تلك المستمرة بين
غناء كميليا جبران وعود سعيد مراد والّتي
ربما كانت أكبر مزايا شخصية "صابرين"
المنبعثة عن "موت النبي". يتصف أداء العود أيضاً بعدم "الإعتناء"
بالجانب التقني، ففي الكثير من إرتجالات
العود يشعر المستمع بالحاجة إلى المزيد من
السيطرة على النوعية الصوتية المطلوبة من
الآلة، مما يؤثر على السياق اللحني أو
الارتجالي المطروح. في المقدمة الموسيقية
شبه المرتجلة لـ"أُغنية الطفولة"، على
قيد المثال، تشعر أن العود يحاول قول
الكثير، لكن تلك الكثرة تقمعها الثغرة في
السيطرة، والتوفيق بين أفكار العقل ومهارة
اليد. العود يلف ويدور حول الغناء ويشاطره
ويشاجره بطريقة إرتجالية دائمة، مما يخلق
جواً خاصاً ملحاً وغير مُفرَط فيه في آن
واحد. لاحظ أن سعيد قام –في
الكثير من الألحان- بتوزيع الآلات في لحن
مغاير لذلك الرئيسي الذي تغنيه كميليا،
فجعل صوتها هو الوحيد المنفذ للحن بينما
تمشي بقية الآلات سوية أو منفردة في خطها
اللحني الموزع الخاص، كما في "يا حلالي"،
وفي "خيّال المزغرتات" في جملة "بعتلهم
سلام ع جناح الحمام". مَيّز تلك الأُغنية
الأخيرة استخدام الردود الغنائية الجماعية
فيها بشكل حذق ومؤثر، كما في الأغاني
الأخرى، وذلك للتأثير أو التركيز على معنىً
معين شعرياً كان أو لحنياً. أما كميليا جبران، فغناؤها
هو "مربط الفرس" لمعظم العوامل التي
بنت "موت النبي"، إن لم يكن كلها. يشكل
أداء كميليا الغنائي مصدراً تلحينياًً آخر
ربما هو الذي يشارك إبداع سعيد مراد سيطرته
الكلية على شخصية "صابرين" الموسيقية.
ذلك لحسها الموسيقي العفوي الصادق الذي
تثبته في الألبوم، فتصل إلى المغزى الذي
يطرحه الجو والكلمات والألحان، وتؤثر فيه
لتترك حسها وشخصيتها وعبقها الخاص. هذا عدا
عن مهارتها التقنية الصوتية التي تساعدها
في إخصاب إرتجالاتها المستمرة، لكنك تكاد
تشعر بعدم اكتمال ذلك الجانب التقني في بعض
الأحيان. الآلات المستخدمة كلها آلات
نقرية، كما ذُكِر، مما يجعل الجانب
الإيقاعي النبضي في الألحان متيناً. أعتقد
أن تلك الخاصية تميز شخصية "صابرين" في
"موت النبي"، ولو أنني أفتقد في بعض
الأحيان إلى وجود نغمات طويلة مسحوبة أو
منفوخة ربما كانت تقوي من رصانة العمل. لكن
ما يجعل العمل الفني في الألبوم ممتعاً
ومتكاملاً ومنسجماً، مع اختلاف النمط
والجو من لحن إلى آخر، هو أن جميع الآلات هي
تلك الشرقية التي تؤدي جميع المهام
المطلوبة، بما فيها التطرق إلى الملمس
الغربي، دون "الحاجة" إلى الآلات
الغربية التي تسلب العمل إنسجامه في أغلب
الأحيان، فقد أُسْتُخدِم الجيتار بشكل غير
مباشر وغير بارز، كما كان الكونتراباص
دعماً خلفياً غير متطفل لا يؤثر على النمط
والجو بشكل أساسي. خلاصة أوجدت
فرقة "صابرين" لنفسها شخصية موسيقية
فريدة بالفعل من خلال ألبومها "موت النبي"،
ربما ليست معتمدة على كل الأفراد بقدر
اعتمادها على الملحن والمغنية اللذين
تتكامل كل من شخصيتيهما المستقلة. لكن
السؤال هنا هو إن كانت "صابرين" سترضى
بهذه الشخصية الموسيقية لتمثلها في
الأعمال القادمة، فتبدأ بالبحث والتجربة
في مناجم جديدة داخل تلك الشخصية، أم أن كل
ألبوم تصدره الفرقة ستحاول إيجاد شخصية
جديدة لها فيه، مما قد يضعف تأثيرها
الأيديولوجي الموسيقي؟
* ولد
تامر أبو غزالة في القاهرة عام 1986، بدأ
العزف على آلة العود في سن التاسعة، عاد
إلى فلسطين عام 1998. وهو من طلاب الأُرموي
المُتقدمين. ُ Copyright ©، 2003، Al-Urmawi- Center for Mashreq Music. All Rights Reserved
|