الحكمة في التوزيع الموسيقي

 "سَهِرتُ منه الليالي"- محمد عبد الوهاب

كلمات: أحمد شوقي

من فيلم: دموع الحب
، عام 1935

تامر أبو غزالة*

 

"إيش هاي الضجة؟؟" سألتني أمي وهي تقود السيارة..."شكله موكب عرسان كبير". كانت سيارات الموكب تتدفق في الاتجاه المعاكس لسيرنا، وكانت كلها تستخدم زمامير "كلاكسات" السيارات بأفظع الطرق، كل سائق وإيقاعه ونغم زاموره الخاص…بدأت أمي باستخدام الزامور أيضاً تحية للعروسين، مثلما فعلت كل السيارات التي تصادف وجودها قرب الموكب. تزاحم النشاز في أصوات الزمامير وأصبح خانقاً، فقلت لأمي بلا تردد: "أهل رام الله مزعجون". أدلت أمي بتصريح سريع:  ما أنكدك!" ثم تحدثت بحكمتها المعتادة عن ميزة أهل رام الله الذين يتشاطرون الفرح، وأنّ هذه هي طريقتهم في التّعبير عن فرحهم ليس إلاّ. لم تدرك أمي أني لا أقصد الموكب ولا فرح السائقين الغرباء بعضهم عن بعض بل أقصد عدم إتفاق تلك الزمامير على وتيرة متحدة أو حتى متشابهة، فكل يغني على ليلاه، وكل "ليلى" لا تمت للأخرى بصلة! لكن كلام أمي أضاء في ذهني أسئلة عجزتُ عن إجابتها: هل يُعبَر التشتت والعشوائية في الأصوات بالضرورة عن الفرح؟ هل توجد "وصفة" محددة للتوزيع الموسيقي تمكنك أن "ترسم" جواً محدداً؟

 * * * *

 النموذج الأول

كنت أستمع حينها بالصدفة إلى محمد عبد الوهاب في شريط منوعات لأغانيه، وكان صوته يلعلع: "سَهِرتُ منه الليالي، ما للغرام وما لي." تبدأ تلك الأُغنية بجملة موسيقية تعزفها الكمنجات. في الجملة يستخدم عبد الوهاب البيانو والكونتراباص لتوضيح النبض الثابت والصريح في الأُغنية، فيضفي هذا التوزيع على الجملة طابعاً يُذكِر بالمارشات العسكرية. تتدخل آلة القانون أيضاً في الجملة الأولى لتزخرف هنا وهناك، وكأن عبد الوهاب يذكرنا أن المقطوعة ليست غربية بالرغم من الآلات المستخدمة. تبدأ آلة الأكورديون بأخذ دور البطولة، فتعزف جملة منفردة تنقلنا من جو "الحروب" إلى جو أكثر رومانسية، يشبه جو الموسيقى الأوروبية الراقصة، وذلك بحكم نوع الآلة الرئيسية (الأكورديون) واللحن، وما تؤديه الآلات المرافقة من نبضٍ هادئ بخلاف النبض الهجومي في البداية.

إذا اعتبرنا الأُغنية ملحنة على نهاوند (دو)، فتنتهي جملة الأكورديون باجتماع الآلات على نغمتي (صول) ثم (دو)، أي مسافة خامسة، على الطريقة "الوهابية"، إعلاناً بانتهاء المقدمة الموسيقية وبدء الغناء. وأسميتها بالوهابية لأنني تعمدت أن أُجري اختباراً على تلك المقدمة الموسيقية قبل كتابة هذه المقالة، فأسمعتها لأصدقائي ممن لا علاقة لهم بتفاصيل الموسيقى وإنما هم مستمعون عاديّون. وجدت أن توزيع عبد الوهاب الموسيقي مميّز إلى درجة أنهم جميعاً بلا إستثناء، عرفوا أن ملحن تلك الأُغنية هو عبد الوهاب قبل بدء الغناء، بل اعتبروا إختباري إهانةً لهم واستخفافاً بقدراتهم!! أظن أن ذلك يرجع إلى الآلات التي يستخدمها عبد الوهاب أكثر من رجوعه إلى الجمل الموسيقية نفسها، فهي تميل إلى الأجواء الغربية المُتَبًّلة ببعض الآلات الشرقية، لكن ذلك الموضوع يحتاج إلى المزيد من البحث والمقارنة بين الكثير من الأعمال المختلفة لعبد الوهاب وآخرين.

 "إنتهى اللعب، والآن وقت الجد" هذا ما يخاطبني حين أستمع إلى نهاية المقدمة الموسيقية وبداية الغناء. فبعد المسافة الخامسة الجازمة، تعود الآلات لتصمت وتخشع، انتظاراً لصوت عبد الوهاب، وكأنه الآمر الناهي بين الجميع، بينما يكمل البيانو والكونتراباص "البساط النبضي" الذي بدأ مع الأُغنية. يدخل عبد الوهاب بـ"سَهِرتُ منه الليالي" مستخدماً شعبة ال"نوا أثر" ليؤكد تغلب الحالة "الساهرة" للمغني على أجواء "الحرب" أو "الرقص" أو غيره في المقدمة، خصوصاً وأن المقدمة كلها كانت بالنهاوند الأساسي، فجاءت تلوينة ال"نوا أثر" مخالفةً لتضفي شيئاً من الوقار والجزم على صوت المغني. تجتمع معظم الآلات مع الصوت في نهاية الجملة الغنائية "ما للغرام وما لي"، وهو تعبير لغوي قوي مميز، وبما أن ذلك التعبير هو خلاصة العبارة الأولى في الأُغنية فيكون الرجوع إلى أساس النهاوند خلاصة لحدة ال"نوا أثر"، فيتفق المعنى اللحني مع اللغوي ليعطيا التأثير المطلوب على المستمع.

مع بداية الجملة الثانية من الأُغنية: "إن صد عني حبيبي فلست عنه بخالي" تظهر آلة القانون بشكل أوضح حين تصاحب الغناء، فتشبع الجملة بملمس جديد بعد أن اعتاد المستمع على وجود الأكورديون مع الغناء في البداية. أشعر هنا وكأن عبد الوهاب يحاول إرضائي شخصياً في هذه الأُغنية، فيعمل جاهداً على عدم إضجاري، إذ كلما كدت أعتاد على جوٍ معيّن سارع إلى تغييره مع كل جملة موسيقية أو غنائية جديدة، عن طريق إدخال الآلات المختلفة وتغيير أدوارها باستمرار، أو تغيير نبرة الآلات و كيفية عزفها، مما يشهد له بعبقريته.

لاحظ أن كلمات الأُغنية مكونة من أبيات شبه منفصلة عن بعضها البعض من ناحية المعنى، فالبيت الأول على قيد المثال: "سَهِرتُ منه الليالي ما للغرام وما لي"، يعطي معنىً متكاملاً لا يحتاج إلى تكملة أو زيادة في الشرح. وكذلك البيت الثاني: "إن صد عني حبيبي فلست عنه بخالي". ثم الثالث "يطوف بالحب قلبي فراشةً لا تبالي". ولذلك قام عبد الوهاب هو أيضاً بفصل كل بيت عن الآخر بلازمة موسيقية متكررة تجتمع فيها الآلات. أما داخل كل بيت، فهنالك اتجاهان مختلفان، أو حالتان متضادتان بين الشطرتين، وهي حالة العاشق الولهان ومقابلها عدم اكتراث المحبوبة أو لامبالاتها. ومن دهاء الملحن أنه فهم ذلك التشاكس في المعنى اللغوي وترجمه لحنياً، ففي: "إن صد عني حبيبي" يكون اللحن حاداً بسبب إدخال عُربة ال (فا دييز)، ثم يأتي وصف العاشق الساهر: "فلست عنه بخالي" فتبطل ال (فا دييز) ويعود إلى ال (فا بيكار) الأساسية.

* * * *

النموذج الثاني

"يطوف بالحب قلبي فراشة لا تبالي"...قبل هذه الجملة يتغير الخط الإيقاعي النبضي -الذي يشكل قاعدة الأُغنية منذ بدايتها- من نبض متكرر على نغمة (دو) إلى نبض متكرر على نغمة (مي بيكار) ليدل على تطور وتصاعد اللحن، وانتقاله إلى شُعبة ال"عجم" (دو ماجير). عند دخول الغناء في: "يطوف بالحب قلبي" يستمر النبض بشكل واضح، لكنه هنا يتحرك نغمياً على امتداد الجملة الغنائية، كأنه بساط متحرك يتبع المغني؛ ينتقل هذا النبض النغمي عند كلمة "قلبي" إلى نغمة (لا بيكار) لأن جملة المغني عند هذه الكلمة تتمحور حول هذه النغمة، وبالتالي إنتقال النبض إليها كأنما يعزز مصداقية المغني. كذلك عند كلمة "فراشة" ينتقل المغني بغنائه والآلات بنبضها إلى نغمة (صول). وفي تكملة الجملة يتحول المزاج ثانية إلى لامبالاة المحبوبة، فيتحول النبض المتقطع إلى نغمات ممدودة مطولة في العزف وأيضاً في الغناء مع كلمة "لا تبالي". ينتهي صعود النغمات الممدودة مع كلمة "لا تبالي" على نغمة (دو) الجواب، ثم يعود النبض بالآلات مع عودة الهيام إلى المغني العاشق، فيقول: "آه الحب، الحب فيه بقائي، آه الحب، الحب فيه زوالي". كأن نبض الآلات هو نبض قلب العاشق المغني، فكلما زاد هيامه كان نبض الآلات أوضح في التوزيع الموسيقي. تعود الكمنجات هنا لتصاحب الغناء ويعود الأكورديون ليرد على المغني في لازمات قصيرة، بينما تدعم باقي الآلات النبض. تأتي بعدها العبرة الرئيسية في الأُغنية ككل: "قلبٌ بغير غرامٍ جسمٌ من الروح خالي" فيكون لحنها هابطاً بشعبة ال "نوا أثر" من (دو) الجواب إلى القرار، ويصاحب الغناء نقر على الكمنجات والقانون بينما تدعم باقي الآلات النبض الرئيسي المعتاد، وفي قفلة الجملة تجتمع الآلات على نغمتي (صول) و(دو) تماماً كما في قفلة المقدمة الموسيقية.

* * * *

النموذج الثالث

في القسم الثاني من الأُغنية تتبدل أدوار الآلات. يصبح الأكورديون هو آلة النبض، بينما "يأخذ القانون مجده" في دور رئيسي لأول مرة في الأُغنية. ذلك الدور الرئيسي هو نتيجة إنتقال اللحن إلى شعبة "سيكاه"، وهي شعبة شرقية بحتة يستغل عبد الوهاب فيها آلة القانون بشكل مناسب ومتقن، بحيث أنه يبرز جمالية الشعبة والآلة في الحين ذاته، وهو يضرب هنا عصفورين بحجر لأن ال"سيكاه" يصعب عزفها على الآلات بشكل عام عندما ترتكز على نغمة ثابتة (صول) "سيكاه بلدي"، أما القانون فكل أوتاره سواء لأنها أوتار مفتوحة، وبالتالي يسهل أخذ ال"سيكاه بلدي" على أية نغمة. هنا نلاحظ براعة عبد الوهاب كموزّع، فهو يستخدم الآلة ذات النوعية الصوتية المناسبة لعزف نغم معيّن، وكأن الآلة مخصصة لعزف ذلك النغم، فتظهر جماليته لأنه يُعزف بالرنة المناسبة، وفي نفس الوقت يعطي الآلة لحناً مناسباً لها تماماً، فتظهر جمالية وخصوصية الآلة إذ "تفرش" إمكانياتها الصوتية المميزة.

في هذا القسم يستمر النبض الرئيسي، أو "البساط النبضي"، على نغمة (صول) بدلاً من (دو)، تعزيزاً لمرتكز شعبة ال"سيكاه". نلاحظ أن ذلك البساط النبضي المستمر من بداية الأُغنية وحتى آخرها هو أحد المحاور الأساسية في تلحين هذه الأُغنية، وهو أحد الدلائل على تطور الأُغنية واختلاف درجة التوتر اللحني فيها؛ يبدأ النبض مع بداية الأُغنية على نغمة (دو)، ثم ينتقل إلى نغمة (مي بيكار) ليشير إلى دخول شعبة ال"عجم"، وفي قسم ال"سيكاه" ينتقل إلى نغمة (صول) ويعود مع عودة اللازمة الغنائية إلى نغمة (دو) فيختتم بها الأُغنية.

يتغير طابع الكلمات في القسم الثاني من الأُغنية. يصبح تأملاً ووصفاً للمحبوبة وافتتاناً بحسنها ودلالها، بدلاً من طابع الصراع الذي ساد في القسم الأول ما بين عشق المحبوبة واللوعة لعدم مبالاتها. يعكس الملحن تغيير معاني الكلام على طابع اللحن نفسه، ولذا يأتي عبد الوهاب بشعبة ال"سيكاه البلدي" التي تتصف بعدم التلون في الأجناس، وإنما فيها تركيز على أساس ال"سيكاه" وتصعيد فيه، كما في تركيز وتصعيد الكلمات التي تصف المحبوبة. يصل التصاعد في الوصف واللحن إلى ذروته عند الجملة: "أُنظره كيف تهادى من رقةٍ ودلال"، فيبلغ اللحن النغمات العليا من ال"سيكاه"، ثم يعود أدراجه حتى تتحول الشعبة إلى ال"عجم" مرة ثانية. تعود مع ال"عجم" الكلمات التي تصف الحب كما في القسم الأول من الأُغنية، فيغني عبد الوهاب: "ما أقصر العمر حتى نضيعه في النضال"، ثم يختتم الأُغنية بالعبرة، أو الخلاصة، التي اختتمت القسم الأول: "قلب بغير غرام جسم من الروح خالي"، بنفس اللحن الهابط بشُعبة ال"نوا أثر"، ليعود الأكورديون في النهاية إلى تألقه الأول، إلى جانب بقية الآلات، وتختتم الأُغنية باجتماع الآلات على نغمة (صول) ثم (دو).

* * * *

كأن لحن الأُغنية دائرةٌ في مقام النهاوند، فيبدأ به وينتقل إلى شُعبة ال"نوا أثر" ثم ال"عجم" ثم ال"سيكاه"، فيعود لل"عجم" وينتهي بالـ"نوا أثر". يصعب أحياناً إيجاد النقلة السليمة بين شُعَب المقام في الأغاني، بحيث لا تظهر وكأنها كسرة في سيل اللحن، لذا يتجنب بعض الملحنين تغيير الأجناس والشُعَب. نجح عبد الوهاب بإيجاد الحلول لتقلب الأجناس والشُعَب في مقام النهاوند بشكل سلس، لكنه كأنما "ضجر" من تلحين الأُغنية في آخرها أو عجز عن إيجاد الحل المناسب للإنتقال من ذروة ال"سيكاه" إلى ال"عجم"، فأعطى ذلك تأثيراً سلبياً على عودة شعبة ال"عجم" قبيل نهاية الأُغنية.

* * * *

تخيّل لو أمسَكَتْ زمامير السيارات كلها بنبض واحد وغنى العروسان فوق النبض. هل كان ذلك يجدي يا ترى؟ يبرهن عبد الوهاب من خلال أُغنيته "سَهِرتُ" أن التحكم الذكي بالنوعيات الصوتية المتوفرة يعطي في نهاية المطاف الجو الفني المطلوب، وأن اختلاف تركيبة تلك الأصوات تؤدي أيضاً بدورها إلى تمازج أو تشاكس أو تغير التصوّر الدرامي للموسيقى، التي تعزز أو تخالف الغناء ومعانيه اللغوية.

 

___________________________
 *  ولد تامر أبو غزالة في القاهرة عام 1986، بدأ العزف على آلة العود في سن التاسعة، عاد إلى فلسطين عام 1998، وهو من طلاب الأُرموي المُتقدمين.

 

Copyright ©، 2003، Al-Urmawi- Center for Mashreq Music. All Rights Reserved

  Hit Counter