حَولَ المبنى والتعبير

وديع الصافي: راح حَلّفَك بالغُصن

 

خالد جبران

تمهيد

 

عام 1964 كان بلا شك عاماً مميزاً في مسيرة تطور الموسيقى العربية، ففي هذا العام حصل اللقاء الفني الأول بين محمد عبد الوهاب وأم كلثوم في أُغنية: "إنت عمري"، ونتيجة للصدى الذي أحدثته هذه الأغنية لُقِّبَ عام 1964 بعام :إنت عمري!!، تأثير ذلك اللقاء على مجرى تطور أو تدهور الأغنية والموسيقى العربية هو موضوع لدراسات ومقالات أخرى، أما اللقاء الذي سنناقشه في هذه المقالة فقد حصل في نفس العام في لبنان حيث تضافرت جهود ثلاثة مبدعين شبان لإنتاج عمل موسيقي مرموق ومميز جداً هو: "راح حَلّفَك بالغصن يا عصفور." والثلاثة هم الشاعر ميشيل طراد، الملحن عاصي الرحباني والمغني وديع الصافي.

هذه الأغنية تخرج عن المألوف من معظم النواحي، فالشعر خارج عن  المألوف من الأنماط الشعرية العامية من معَنّى أو حتى قصائد معَنّى، إذ يكسر ميشيل طراد بعضا من القيود البنيوية التقليدية لينتج عملاً فذاً وذا مبنى مختلف ومبتكَر تبعاًَ لرغبته في التعبير الدرامي الصادق، ومع هذا تبقى قدماه راسختين في جذور الشعر الشعبي اللبناني.

اللحن خارج عن المألوف الشرقي أحادي اللون التطريبي، ومن جهة أخرى مختلف عن النمط الرحباني الأنيق إلى درجة الخِفَّة، وهذا يحصل نتيجة للقاء بين عاصي الرحباني ووديع الصافي، عاصي ذي التوجه الموسيقي المائل إلى الغرب، الضليع بأصول وأساليب التوزيع الغربية فيما يتعلق بالتصرف اللحني للجمل الموسيقية والسلالم، والخبير بطبيعة آلات الأوركسترا وطرق استخدامها بمهارة وأناقة، ووديع – "صوت الجبل!" ذي الحنجرة الزاخرة بالنغم الشرقي الصرف وطرق أداء الأوف والميجنا والمواويل والذي بحكم كونه مغنياً لهذه الأنماط يحضن في شخصيته الملحن الفطري إلى جانب المغني.

هذا اللقاء ليس بالعادي ومن الطبيعي أن يؤدي إلى طفرة فنية إذا كان التفاعل بين هذه القطاب "تفاعلاً" فعلياً. وكانت النتيجة أن صدرت في 2 كانون الثاني عام1965، "أغنية" راح حلفك بالغصن، وأُسميها "أغنية" على طريق المجاز، فهي ليست بالأغنية التقليدية ولا بالموال التقليدي بل تقع في منزلةٍ بين المنزلتين بالمعنى الإيجابي للعبارة.

 

 

المبنى الشعري

 

هذه القصيدة منظومة على نمط المْعَنّى، وبمبنى مُطَوَّر عن "قصيدة المعَنّى"، والمعَنّى هو نمط شعري شائع في الشعر الشعبي اللبناني، المطلع (أ-1)  يعتمد أربع شطرات بالتقفية التقليدية وهي:(abab)، (الحروف اللاتينية ترمز إلى القوافي، وقراءة المبنى تتم من اليسار إلى اليمين). هذه الشطرات الأربع من ذوات العشر حركات لكل شطرة وهي التي تعطي الانطباع الأولي لقصيدة المعَنَّى، بعدها يبدأ "الرَّدف" وهو (أ-2) المكون من ست شطرات من ذات الست حركات والتقفية الغير تقليدية: (cdceed) الرَّدف في العادة يعتمد شطرات تختلف في طولها عن شطرات البيت، وهو أشبه بنظم وأسلوب الأغصان في الموشح.

 البيت الثاني (ب-1) مرة أخرى أربع شطرات لكنها من ذات الست حركات وليس العشر، وتقفيتها تعود إلى مبنى: (fgfg). "الردف" في (ب-2) مبني من تسع شطرات ذات الست حركات بتقفية: (hhijikkij) البيت الثالث هو (ج-1) المبني من أربع شطرات ذات الست حركات وتقفيته: (lmml) والردف الأخير في (ج-2) مبني من سبع شطرات تقفيتها: nnolppo)).

 

الثورية في مبنى هذا الشعر ليست في تغيير عدد شطرات الردف، ولا في استعمال شطرات من ذات الست حركات بدلا عن ذات العشر في البيوت الداخلية فحسب. بل هي في الطريقة البديعة التي يقَفّي بها الشاعر شطرات الردف، وهي إدخال قافية حديثة مزدوجة (أي نفس القافية مرتين على التوالي)، خصوصاً أن هذا يحدث بمنهجية قبل الشطرة الأخيرة لكل ردف.

لنأخذ على سبيل المثال شطرات (أ-2): "بتطير يا عصفور،، عَ كوخ من وزّال،، رويان سقفه زهور." بعد تكرر القافية (ور) نتوقع سماع القافية الثانية (ال) في البيت القادم، لكن الشاعر يفاجئنا بقافية جديدة ومزدوجة : "مفروش بالعَنبَر،، وحب الندي الأخضَر،،". قبل أن "يُلبي حاجتنا السيكولوجية" إلى سماع قافية (ال) التي تأتي متأخرة: "دنيي ظلال ظلال". فهنا كسر الشاعر مبنى التقفية التقليدي والروتيني: أ ب أ ب، وأعطانا بدلا منه مبنى عالي التوتر هو: أ ب أ (ج ج) ب. حيث ج هي القافية الحديثة المزدوجة.

لاحظ أن هذه التقنية تنطبق في الردف القادم (ب-2) على الذروة الدرامية لهذا العمل عند الشطرات: "عَ كل شي تخَزَّق ،، عَ المقعد الأزرق ،،". فهذه أيضا بدورها "العنيف" قافية حديثة ومفاجئة ومزدوجة ومن بعدها تعود القافية المألوفة والمنتظرة (ان) في: "القمر السكران."

 قد يكون ميشيل طراد "ضحى" ببعض قوانين وقواعد ومسلمات المعَنّى، لكنه في نفس الوقت وَسَّع وأثرى كثيرا طيف التعابير الوجدانية والدرامية التي بمقدور هذا النمط الشعبي التعبير عنها!!



الفواصل الموسيقية واستعمال الآلات

 

يسبق الأُغنية مطلع موسيقي قصير (عجم عشيران)، هو عبارة عن جملة موسيقية واحدة تعزفها آلة الأوبوا على خلفية صوت واحد طويل تعزفه الكمنجات (عندما نقول : الكمنجات، في هذه المقالة نقصد مجمل عائلة الوتريات ذات القوس من كمان، فيولا، تشيللو وكونتراباص)، وتتكرر جملة الأوبوا مرة ثانية بعزف الكمنجات.

الأوبوا هي آلة نفخ خشبية من عائلة "المزمار"، وهي انتقلت إلى أوروبا في العصور الوسطى عن طريق المزمار العربي، صوت الأوبوا مميز جداً بدقته وصفائه الفائقين، هو صوت ذو طبيعة منضبطة ولا "يبوح" بالعواطف كالكمنجات ولا هو يحمل شحنات من أنفاس العازف كالناي أو الساكسوفون. الأوبوا في هذه الأُغنية يعزف هذه المقدمة الموسيقية القصيرة والتي تتكرر في النهاية لتشكل خاتمة الأغنية، ويعزف دوراً آخر في الفاصل الموسيقي الذي يسبق القسم الثالث.

 

التوزيع الموسيقي لهذه الأغنية يستغل هذا التباين ما بين 1) الطبيعة المنضبطة لصوت الأوبوا والتي تضفي على دوره طابع السردية الموضوعية الهادئة.2) الطبيعة العاطفية الصريحة لصوت الكمنجات والتي تلعب هنا دور تفسير وتوضيح العواطف وتقلبها من قسم إلى آخر حسب التطور الدرامي. هذا الأمر يبان بصورة جلية في هذه المقدمة الموسيقية حيث يتبادل الطرفان عزف نفس الجملة الموسيقية.

عدا عن الأوبوا والكمنجات هناك مساهمة مميزة للبيانو والفلوت وخاصة في القسم الأول، وأيضا الكلارينيت والأكورديون في القسم الثالث.

نلاحظ بالطبع أن هذه الآلات بمجملها غربية تماماً وليس هناك أي حضور لآلةٍ شرقيةٍ مثل العود أو القانون أو الناي أو حتى آلات الإيقاع الشرقية، كما ويجدر بالذكر خلوّ الأُغنية تماماً من المقامات التي تحتوي على أرباع الأصوات، فجميع المقامات والسلالم المُستخدمة هنا من عجم عشيران أو نهاوند أو حجاز، هي مُستخدمة بالصيغة التي تخلو من أرباع الأصوات تماماً.

التوزيع الآلي أنيق وذكي واقتصادي جداً، فهو يفي بالمطلوب منه، دونما إغراق في استعمال الآلات أو إسراف في التلوينات الصوتية، وهذا بالطبع ينعكس إيجابياً على الأُغنية ويترك المساحة الكافية لصوت المغني وللكلمة.


القسم الأوَّل

 

لسماع النموذج الموسيقي، أُنقُر: http://www.urmawi.org/music/wadee3_1.wma

 

أ-1 :

"راح حَلّفك بالغصن يا عصفور

بالورق بالفيّ بالنبعات

بالزَيَّح جناحك بريشة نور

بالمرجحك مع زرقة النسمات."

 

اللحن في هذا القسم هو عملياً من نوع اللحن المُرسَل والحرّ. تماماً مثل الحان المواويل الكلاسيكية والتي تُحاكُ فيها الكلمات "حياكةً" على نغمات ودرجات المقام الموسيقي بأسلوب الارتجال الآنيّ، وهي تخلو من الإيقاع الثابت أو الميزان الواضح، فللمغني مطلق الحرية في أن يتصرف باللحن والسرعة وتوقيت نطق الكلمات.

الملحن نجح إلى حد كبير في أن يضفي هذه الطبيعة على لحن هذا القسم، فنحن نسمع "وديع" يغني على سجيته موالاً من مواويله المعهودة وبأسلوبه المميز. مرافقة الآلات هنا اقتصادية جداً إذ تقتصر على الفلوت الذي يحاول "تقليد" صوت العصفور بصورة مقصودة، والبيانو الذي يتدخل أحياناً بصورة تلميحية ليضيف بعض "الرتوش" أو الجو العام، ليس أكثر، هذا ما يزيد جداً من حضور صوت وديع شبه المنفرد.

طبيعة اللحن والأداء تذكرنا بالألحان الإبتهالية الكنسية خصوصاً عند كلمات مثل: "بالزَيَّح جناحك بريشة نور.."، هذا بالطبع غير مستهجن على وديع البارع جداً في هذا النمط من الألحان.

إذا استمعنا إلى هذا القسم دون الأقسام الأخرى نقتنع أننا نسمع موالً من مواويل وديع الصافي في مقام عجم العشيران (سي بيمول ماجير)، وليس هناك أبداً ما يشير إلى تغيير أو خروج من مبنى الموال.

 

أ-2 :

"تطير يا عصفور

ع كوخ من وِزَّال

رويان سقفه زهور

مفروش بالعنبر

وحب الندي الأخضر،

دنيي ظلال ظلال."

 

يبدأ  التصاعد الدرامي للنص، فبينما في أ-1 الكلام لم يحمل معنى القيام بحركة أو بفعل ما إنما مجرد مخاطبة العصفور واستعطافه وتحليفه بالذي: "زيح جناحك بريشة نور"، يبدأ النص هنا بشرح طبيعة العمل أو الحركة التي سيقوم بها العصفور وهي الطيران إلى: "...كوخ من وِزّال.." ثم ياخذ بوصف ملامح هذا الكوخ أكثر ونكون قد دخلنا في "مشهد" جديد من الناحية الدرامية.

الموسيقى هنا تغدو أكثر إيقاعيةًً، الكونتراباص ينبُر بداية كل حقل موسيقي (مازورة)، بينما تعزف الكمنجات مع باقي الوتريات حركة لحنية ذات طابع وزني واضح إلى حد كبير، هذه الحركة اللحنية مبنية من جملة موسيقية واحدة مكررة تعتمد الطبقة العالية في صوت  الكمنجات وهذه الجملة اللحنية "تحوم" و"تحلق" حول نغمة سي بيمول العالية، وتعطينا الانطباع بالتحليق في الفضاء مع كلمات: " تطير يا عصفور، عَ كوخ من وزال.."، وعندما نصل إلى الكلمات:"..رويان سقفه زهور..... الأخضر"، نسمع الأوركسترا "ترسم" إيقاع الكلمات باستعمال النقر على أوتار الكمنجات pizzicato، واستعمال البيانو ذي الطبيعة الصوتية الإيقاعية أصلاً، هذا الرسم يرافق بعض الكلمات تماماً وأحياناً يتكرر كالصدى بعد انتهاء الكلمة مثل: "زهور،..... الأخضر".

 

طبيعة اللحن الغنائي هنا هي طبيعة لحن مبرمج وموقع، غير حر ولا مرسل، هذا مع أن آلات الإيقاع التقليدية لم تشارك في العزف بعد، ولما نسمع موازين إيقاعية ذات تفاصيل واضحة كما هي العادة في الموسيقى الشرقية، لكن ما لا شك فيه أن اللحن هنا يختلف عن اللحن في أ-1 الذي كان أشبه كثيراً بالألحان المرسلة المرتجلة.


 

القسم الثاني

 

لسماع النموذج الموسيقي، أُنقُر: http://www.urmawi.org/music/wadee3_2.wma

 

ب-1:

"بتِقشَع عريشة وباب

بفيتها مزوي،

وحلوة بإيدها كتاب

سلِّم على الحلوِه."

 

في هذا القسم النص مبني من أربع شطرات وهو نفس عدد شطرات أ-1، وهو بيت موسيقي ملحًّن تماماً، كأي بيت عادي في أغنية كلاسيكية، له ميزان واضح تقوم الآلات بعرضه وأدائه أثناء اللازمة الموسيقية التي تسبقه، مع تدخل آلات الإيقاع ولأول مرة!، فهما لازمة موسيقية وبيت غنائي "رحبانيان" نمطيان، وليس فيه أي شيء من الارتجال أو شبه الارتجال.

عن طريق اللازمة الموسيقية ينتقل الملحن إلى مقام نهاوند صول الذي سيلتزمه حتى ما قبل نهاية الأغنية.

الكلام هنا يوضح لنا شيئا إضافياً عن الغرض من رحلة العصفور، ففي داخل "العريشة" الموجودة قرب الكوخ... الخ توجد فتاة "حلوة" وندرك أنها الغاية من كل هذه الرحلة، ومن "المصادفة؟" أنه في هذا البيت الذي يصف إنساناً وليس مجرد كوخ مفروش بزهور تبدأ الموسيقى الإيقاعية الموزونة مع تدخل الآلات بشكل صريح وواضح كما يعاد غناء البيت مرتين بنفس اللحن مع مدة صوت جميلة جداً لوديع بينهما على كلمة "سلم على الحلوة".

 

 

ب-2:

" وإن هِديِت رياحَك

بِتمَرمِغ جْناحَك

عالسَطح، عالحيطان،

عَ ثياب مِدرِيِّه

عالبُسط، عالقمصان،

عَ كلّ شي تخَزَّق

عالمقعد الأزرق

عالقمر السكران

البيذَكِّرها فِيِّي."

 

هذه بلا شك الذروة الموسيقية والدرامية للأُغنية.

هنا ندرك أن الأُغنية تُعَبر عن شيء "مأساوي" قد حصل، وهي ليست مجرد أُغنية غزل وصفية متفائلة، نبدأ بإدراك هذا الأمر أولاً من الكلام بصورة تلميحية حين يقول: "بتمرمغ جناحك عَ السطح، عَ الحيطان،" إلى أن نصل الخلاصة: "عَ كل شي تخَزًّق عالمقعد الأزرق.."، لاحظ الانتقال المفاجئ في النص إلى المعاني التي تكتمل بكلمة واحدة: "عالسطح، عالحيطان، عالبّسط، عالقمصان.." هذا الشعور بتكثيف أو تسريع الإيقاع الشعري ومن ثم الإيقاع السردي والدرامي عن طريق تسريع "حركة الكاميرا" السينمائية من "السطح" إلى "الحيطان.." إلى "كل شي تخزق"، هذا التكثيف يحصل في هذا القسم فقط، وهو ذو فاعلية ملحوظة جداً خاصة بالمقارنة مع الإيقاعية الهادئة في سرد الكلام من بداية النص إلى هذه النقطة، أضف إلى ذلك الإستعمال الذكي لكلمة:"بتمَرمغ جناحك" هذا التأثير المباشر والمميز والذي يتيحه استعمال الكلمات العامية المستقاة مباشرة من مناخ حياتنا اليومي، كذلك الأمر بالنسبة لكلمة:" كل شي تخزَّق" ذات المعنى والجِرس العنيفين.، هكذا وبصورة مفاجئة وسريعة ينتقل بنا الكلام إلى مشهد مأساوي غير متوقع ولم يجر التلميح إليه من قبل.

من الناحية الموسيقية هذا القسم هو "بيت القصيد" فيما يتعلق بالتفاعل ما بين ملحن مثل عاصي الرحباني ومغنِّ مميز ومبدع من نوعية وديع الصافي، وديع يؤدي هذه الذروة اللحنية والكلامية بأسلوبه الخاص المُستقى من ميراث المواويل والغناء الشعبي وقراءة المقام، لاحظ مثلاَ الأداء "الوديعي" لكلمات مثل: "عَ تياب مدرِيِّة" أو: "عالقمصان"! أو الدخول إلى كلمة: "عَ المقعد الأزرق"، هذا الأداء هو من صميم الغناء الشرقي بحريته وعفويته.

اللحن هنا حسب تقديري ليس باللحن المبرمج الواضح من وضع الملحن، بل هو بمثابة "نَفَس" ارتجالي طويل مأخوذ من "قماش" المواويل، وهو يتمركز على نغمة المحَيَّر = رِه (خامسة نهاوند الصول)، ويقوم المؤدي بحياكة اللحن والكلمات حول هذه النغمة طول الوقت، أي أن وديع يتصرف مرة أخرى بحريته الارتجالية المألوفة. وغناء وديع في هذا القسم يذكرنا بغنائه وتصرفه اللحني في مواويل أخرى غير ملحنة ولا علاقة لعاصي الرحباني أو لملحن آخر بها.

الملحن  في هذه الحالة أعطى المُغني حرية شبه مطلقة ورافقه بالأوركسترا بشكل حذر ودون تطفل، فالكمنجات توضح 1) النبض الثابت. 2) نغمة الغناء الأساسية وهي كما قلت ره، بطريقة لحنية هي مجرد قفزة من رِه الوسطى إلى العليا، وهذا النوع من المرافقة هو عملياً ما كان وديع سيؤديه لو رافق نفسه بالعود، أي أنه نوع المرافقة التقليدية لهذا النوع من الغناء. نلاحظ أن الكمنجات تستمر بإسماع نغمة رِه وتكرارها كنغمة محورية للبيت كله حتى بعد أن يهبط وديع إلى نغمات دو _سي بيمول: "عَ كل شي تخزق" ثم نغمات سي بيمول-لا :"عَ المقعد الأزرق" وهناك تتوقف الكمنجات برهة وتعود إلى مرافقة لحن الكلام مع: البيذكرها فِيّي" وتكرارها مع المغني، وهذا النمط الأخير في المرافقة هو من الملامح المميزة للتوزيعات الرحبانية.

خلاصةً فهذا البيت هو نموذج موفق وبديع للتعاون والتواصل ما بين موسيقيين ذوي توجهات موسيقية أو مذاقات فنية مختلفة أو حتى متباينة، فالملحن الذكي "عاصي" إختار هذا المكان الهام جداً من ناحية الأُغنية ككل ليعطي المغني المقتدر "وديع" المساحة والحرية اللازمة للتعبير ذي الزخم الشرقي ولم يحاول أن يُملي عليه أية تحديدات أو ضوابط ملحنة ومبرمجة، بل قام "بإستخدام" هذا المخزون الهائل الذي تتمتع به حنجرة وديع وأذنه، لبناء ذروة موسيقية مشتركة ورائعة.


 

القسم الثالث

لسماع النموذج الموسيقي، أُنقُر: http://www.urmawi.org/music/wadee3_3.wma

 

ج-1:

" وإن كان ما في شي

من حبنا باقي

بِتسَكِّت الساقية ياطير وبتمشي".

 

لازمة موسيقية جديدة تمهد قبل هذا القسم بإستخدام كل الآلات إضافة إلى دور واضح لآلة الأوبوا التي كانت قد عزفت المقدمة الموسيقية الأولى قبل بدء الغناء. هذه اللازمة هي في مقام حجاز رِه والمبني على الدرجة الخامسة لنهاوند صول السابق، في نهاية هذا القسم ستشكل نغمة رِه نقطة الإنتقال والعودة إلى مقام عجم العشيران من أجل إنهاء الأُغنية على نفس مقام الإبتداء.

كلام هذا القسم هو بمثابة خلاصة لما قيل في الأقسام السابقة، قد يرى البعض أنه هو الذروة في النص! لكن ما لا شك فيه أن الذروة الدرامية، الحركية، الإيقاعية والموسيقية قد حصلت في القسم السابق، لذا فكلمات القسم الحالي هي خلاصة ما بعد الذروة، نوع من النتيجة الشبه مسلَّم بها، الغناء يتكرر مرتين والمرة الثانية هي أكثر دراميةً وإنفعالاً إذ تبتدئ من نغمة: رِه العليا مع تلوين ب"دو دييز" وقت الهبوط، وكأنها ردة فعل على المرة الأولى ذات الطبيعة التأملية المستسلمة. هذا الجزء ملحن بحذافيره وبالتفصيل، هو ذو إيقاع وميزان واضحين وتدخل الآلات بشكل فعال ونشيط لمرافقة الكلام والربط بين الجمل.

 

ج-2:

" وبتغُطّ تحمللي

يا من هيك التلة

يا من هداك الغاب

شي ذِكِر شي قَشِّة.

ومن خرطشة دّيها

من تحت اجرَيها

شي نقِدتين تراب."

 

عودة إلى أجواء القسم أ-1 من عدة نواحي:

1)     عودة إلى نفس المقام الموسيقي، عجم عشيران، بهدف إختتام الأُغنية.

2)  عودة المناخ التوزيعي بفارق واحد هو غياب الفلوت الوصفي وبقاء البيانو على خلفية الكمنجات التي تعزف نوتة سي بيمول طويلة.

3)     إختفاء الإيقاع والميزان مرة أخرى وعودة الغناء المرسل الحر.

 

في الشطرات الأربع الأوائل يرتجل وديع قفلة كلاسيكية من مقام العجم مبتدئاً من نغمة سي بيمول العالية ويصل مع كلمة: "قشِّة" إلى مرتكز المقام عند نغمة سي بيمول المنخفضة.

ثم يعيد هذه القفلة مع الشطرات الثلاث الأخيرة مبتدئاً مرة أخرى من نفس نغمة سي بيمول العالية لكنه هذه المرة يهبط إلى نغمة فا فقط ويعود صاعداً منها إلى سي بيمول العالية ليقفل الغناء عندها بدلاً من أن يقفله على الطبقة المنخفضة، هذا بالطبع يعيدنا إلى نفس الطبقة من نفس المقام التي إبتدأ منها الغناء أصلاً، وبعد إنتهاء كلمة: "تراب." يعود بالفعل صوت الأوبوا بنفس اللحن والجو والطبقة التي سمعناها في المقدمة الموسيقية التي سبقت الأُغنية.

أي أن تكرار القفلة الغنائية مرتين كان ذا وظيفة مزدوجة: 1) توكيد قفلة العجم بعد أُغنية معظم لحنها يعتمد نهاوند الصول. 2) إعادة نغمة القفلة إلى الطبقة العليا المشابهة لمطلع الأُغنية. الملحن إستغل لهذا الغرض وبذكاء، كلمات مختلفة في القفلة الثانية: "ومن خرطشة ديها..".

 

بعد إنتهاء الغناء يُعاد عزف المقدمة الموسيقية بالأوبوا لتشكل هذه المرة خاتمة موسيقية، إغلاق نفس "الستارة" التي فُتِحَت في مطلع الأُغنية.

 

 

 

شكرٌ خاص:

·         الأستاذ سعود أسدي، الناصرة.

·         نبيل نعيم خوري، الرامة.

 

 

 

 

 

Copyright ©، 2003، Al-Urmawi- Center for Mashreq Music. All Rights Reserved

 

 

 

إلى الخلف